المثقف الذي فقد صوته وباع موقفه

صحيفة الهدف

زكريا نمر
كاتب من جنوب السودان

لم تعد كلمة مثقف اليوم تثير ذلك الإحساس بالثقل المعرفي أو المسؤولية الأخلاقية، ولم تعد النخبة تعني بالضرورة الطليعة التي تمهد الطريق للمجتمع. الكلمتان تترددان كثيرًا، لكنهما تُفرغان تدريجيًا من معناهما، حتى غدتا أقرب إلى توصيفات اجتماعية رخوة منها إلى أدوار حقيقية ذات أثر.

في صورتها الأولى، كان يُنظر إلى المثقف بوصفه عقلًا يقظًا، منحازًا للوعي، قادرًا على مساءلة السائد وكشف المسكوت عنه. لم يكن مجرد قارئ جيد أو حامل شهادة، بل صاحب رؤية نقدية، يتدخل حين يختل الميزان، ويكتب حين يسود الصمت. أما النخبة فكانت تشير إلى مجموعة تمتلك خبرة ومعرفة وتجربة تؤهلها لتحمل مسؤولية القرار، وتقديم بدائل واقعية قابلة للتطبيق.

غير أن المشهد الراهن يقدم صورة باهتة. كثير ممن يُصنفون ضمن دائرة الثقافة يمارسون حضورًا شكليًا، يكتفون بالتعليق من مسافة آمنة، أو إعادة تدوير أفكار مستهلكة في قوالب لغوية منمقة. اللغة أصبحت أحيانًا غاية في ذاتها، لا وسيلة لفهم الواقع أو تغييره. والمصطلحات تُستخدم كزخرفة خطابية، لا كأدوات تحليل. أما ما يُسمى بالنخبة، فقد انزلقت في حالات عديدة إلى دائرة مغلقة تحرس امتيازاتها. تتبادل المواقع، وتحتكر المنابر، وتعيد إنتاج الخطاب ذاته، كأنها تخشى أي تجديد حقيقي. بدلًا من أن تكون مساحة مفتوحة للكفاءة، صارت أقرب إلى شبكة علاقات تحكمها المصالح والولاءات.

المشكلة ليست في وجود هذه الفئة، بل في ضمور دورها. حين يفقد المثقف استقلاله، ويتحول إلى جزء من آلة التبرير، تتآكل قيمته الرمزية. وحين تصبح النخبة معنية بحماية موقعها أكثر من انشغالها بمصير المجتمع، تتراجع قدرتها على الإقناع. وهنا لا يكون الخلل معرفيًا بقدر ما هو أخلاقي. كما أن تضخم وسائل التواصل أوجد نوعًا جديدًا من الشهرة الفكرية السريعة، حيث يُختزل العمق في عدد المتابعين، ويُقاس التأثير بعدد المشاركات. هذا المناخ عزز منطق الاستعراض على حساب التراكم المعرفي. بات من السهل أن يُمنح شخص لقب مفكر أو خبير لمجرد حضوره الإعلامي، لا لجهد بحثي راسخ أو إسهام ملموس.

تتحمل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية جزءًا من المسؤولية. حين تغيب المعايير الدقيقة في تقييم الكفاءات، وتُقدَّم الوجوه ذاتها في كل مناسبة، يُغلق الباب أمام طاقات جديدة قد تكون أكثر التصاقًا بقضايا المجتمع. احتكار المنابر يخلق حالة من الجمود، ويجعل الخطاب العام يدور في الحلقة نفسها.

إن الفجوة بين الناس ومن يُفترض أنهم يمثلون وعيهم تتسع عامًا بعد عام. المواطن العادي لا يبحث عن خطابات معقدة، بل عن مواقف واضحة، عن اقتراحات عملية، عن أصوات تشبهه وتفهم واقعه. وعندما لا يجد ذلك، يفقد ثقته في كل ما يُطرح باسمه.

إعادة الاعتبار لمفهوم المثقف والنخبة لا تكون بإلغاء المصطلحين، بل بإعادة تحميلهما بمسؤولية حقيقية. المطلوب هو انتقال من ثقافة اللقب إلى ثقافة الدور، من الامتياز إلى الخدمة، من الحضور الإعلامي إلى الأثر الملموس. فالمثقف ليس من يتقن التنظير فحسب، بل من يمتلك شجاعة الانحياز للقيم الإنسانية. والنخبة ليست من تتصدر المشهد، بل من تتحمل عبء القرار وتبعاته.

ربما آن الأوان لأن يُقاس المثقف بمدى قدرته على فتح أفق جديد للنقاش، لا بعدد الكتب التي يقتبس منها. وأن تُقاس النخبة بقدرتها على حل أزمة حقيقية، لا بعدد الندوات التي تحضرها. عندها فقط تستعيد الكلمات وزنها، ويستعيد المجتمع ثقته بمن يتحدث باسمه. أما إذا ظل اللقب أكبر من الفعل، فستبقى المفاهيم معلقة في الهواء، وسنستمر في إنتاج خطاب أنيق بلا أثر، وصورة براقة بلا مضمون.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.