الفلسفة الجمالية في قصائد الشاعرة والروائية كلتوم فضل الله

صحيفة الهدف

إحسان الله عثمان

اتفق الباحثون في تعريف الجماليات على أنها “التفكير النقدي في الثقافة والفن والطبيعة”، وأن فلسفة الجمال هي التذوق الفني ووحدة العلاقات الشكلية التي تدركها حواسنا.

الفلسفة الجمالية في النصوص الأدبية يتعدد تفسيرها بتعدّد المصادر ومناهج البحث، وتشمل الأفكار والمفاهيم والموضوعات التي تكمن وراء التعبير الفني والأسلوب، وتظهر من خلال السياق العام للنص والرموز والإشارات المستخدمة، وتوفر إطارًا لفهم النص في سياقه اللغوي والثقافي والاجتماعي والتاريخي.

النص الأدبي الحداثي هو فن أدبي يتميز بالتجريب والانفصال عن الأساليب التقليدية في الشكل والتعبير، ومن أبرز سماته السرد غير الخطي واستخدام تقنية “تدفق الوعي” لتمثيل التجارب الحياتية والمعرفية في الشعر وال قصّة؛ ذلك الوعي الجديد بالمتغيرات والمستجدات وحركية الإبداع في لغة وصور جديدة ومختلفة، تسعى إلى التساؤل والبحث كتجربة شاملة وموقف من الحياة والعالم والإنسان.

تتجلى الفلسفة الجمالية في قصائد الشاعرة والروائية كلتوم فضل الله من خلال استخدام لغة حيّة وحسّية لإنشاء صور ذهنية من حيث تأثيرها وجاذبيتها، مستمدة من الدروب البعيدة، حيث النشأة الأولى في مدينة (الليري) جنوب كردفان والجبال البنفسج وغابات أشجار الدوم، ومناجم الذهب ورقصات الدرملي. هناك تلتقي مجالات المعرفة الإنسانية والقيم الفنية الجمالية، وتظل حاضرة في السياق العام الشعري على مستوى الرمز وتماهيه نحو أزمنة متخيلة تفسر الحاضر وفق جدلية الحلم والذاكرة.

“أغزل دبيبك في الحواس ثوبًا

يغطي الأفق أغنيات

تسجد الضاحية

وينام جبل الكريس عميقًا بالصفو

يفترش حنينك الأول

تتوّج الزهور

فالخضرة تزداد اخضرارًا

وعرش الوجد يتمطى

في العمق البعيد من الكلمات..

كعصبة الرمز المزود باللقاح”

محتويات النصوص الشعرية للشاعرة والروائية كلتوم فضل الله والرسائل المركزية تنسج تفاصيل الذات، دلالات من ثنايا الألم والتشظي وجراحات الأيام، والسفر المجازي في الحياة، في تجربة تختزل المعاني والكلمات.

“لا عدد سيحصي الأمنيات الذابلة

على خطو الجياع

على الذاهبين إلى الوطن

ما يقوله الصمت

ما يسجله فضح الخطي والتحاريش

ما أهملته المقولات القديمة،

ما دونته المدائح والقرائن

ما شوهته قرائن الأحوال

على طبل الملوك..

ما شيدته المعرفة على مدن الرحيل

والزمن المقطع من خلاف

سأعلنه مثل أرض بور تشقّقت

وساشرع في سلالم المجد

إلى أن يغترف الجمال

ملء كوبه في الوجود”

حين تتلون الكلمات، يدهشنا ويوجعنا قصور فهمنا لمراميها البعيدة ومتواليات الأحاسيس والأقانيم المعرفية. إنها أبْحار جديدة إلى ضفاف أكثر رحابة تستفز الرؤى، تتجاوز وترصد استعاراتها تفاصيل الهامش المسكون بخيبات المنافي والأمل، حيث يصبح مفهوم الهوية تجليًا لدلالات تصوغها عوالم القصيدة.

“كولومبيا

مصبّات السلام

تجلس على حافة التاريخ

وتنبت على هواء الضفاف

والزهرات

في قعر البيوت

يا كعكنا المنقوش بالسكّر

في الوجوه العابثات من الشعاع”

وتتجاوز الشاعرة والروائية كلتوم فضل الله البنية الشعرية النمطية، وتبدو بعض قصائدها أكثر حرية في حركة المشاعر والأفكار والرسائل والتعبير عن الدفق المنطلق والعمق في التجربة الحياتية، والبعد الرمزي لإحداثيات الإنسان والزمن والمكان، مكرسة تجربتها في الكتابة الشعرية الإبداعية ضمن صياغات المفارقة الفكرية الحداثية.

“العباءات السود

عفصت حلمات البنات

واحتجزت الحمى

ونفرت فخاخ الصورة

فالخليات لهيب

تدغدغ الأسود في انغماس

يعجن الفكرة

العباءات السود

خثرت الحليب”

الاستنتاج والتقويم

تميزت الأعمال الشعرية لكلتوم فضل الله بجمالية وفلسفة اللغة والنصوص، والتشابك والثراء، وتوظيف المفردات ككائنات تنمو زخمًا دلاليًا، والسياق الثقافي والجمالي في بعديه المادي والرمزي، حيث الكثافة والعمق والمغايرة والتنوع والاتساع. تتشكل الأدوات باستدعاء الطبيعة في نصوص تبعث الإدهام وتوقظ ضمائر الجمال.

الاتجاه الفني والصور الشعرية واستثمار الصياغة اللفظية المتقنة ذات الدلالات والأبعاد النفسية الشعورية، والإيقاع الداخلي للمفردات، يشحذ القراءة والتأمل في الفلسفة الجمالية للنصوص الشعرية.

“بأمشاط من رؤوس الخفاء

أسير بيني وشهيق الوردة

على وقع الشعر المدوّي

كاستراحة طويلة

على وهج الحروف المتحجرة”

صدر للروائية والشاعرة كلتوم فضل الله رواية “الصدى الآخر للأماكن” عن دار توتيل للنشر، ورواية “سيرة المحبة” (سيرة ذاتية)، وعدة روايات وأعمال شعرية تناقش الصراع المجتمعي وتشكلاته الفكرية والثقافية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.