أخطر ما كشفته الهجرة واللجوء.. هشاشة الأباء

صحيفة الهدف

د. جمال الجاك

في ركن قصي من مقهى بضواحي مانشستر، يجلس أب سوداني، يقلب في هاتفه صوراً لابنه الذي لم يعد يزوره إلا في المناسبات الرسمية. يقول بغصة: “الغرب سرق أولادنا”. هذه العبارة ليست مجرد شكوى عابرة، بل هي مانيفستو الهزيمة الذي يردده جيل المهاجرين الأول من كندا إلى ألمانيا. لكن، هل سُرقوا فعلاً؟ أم أن الغربة كانت المختبر الكيميائي الذي كشف أن “سبيكة” تربيتنا لم تكن بالصلابة التي توهمناها؟

أولاً: سيكولوجيا السيطرة.. حين ينهار “السقف الجماعي”

في السودان، نحن لا نربي أطفالنا وحدنا؛ المجتمع هو “المربي الشريك”. هناك سقف اجتماعي يحمي الفرد من عبء الاختيار، فالدين حاضر كطقس يومي، والعادات جاهزة كقوالب صبّ، والرقابة المجتمعية تعمل كجهاز “إنذار مبكر”.

من الناحية النفسية، ننتقل في الهجرة مما يسميه علماء الاجتماع “الهوية الموروثة” (Inscribed Identity) إلى “الهوية المختارة” (Achieved Identity). في الخرطوم، أنت سوداني ومسلم ومحافظ لأنك “وُجدت كذلك”. في بوسطن أو برلين، أنت مدعو للإجابة على سؤال: “لماذا أنا كذلك؟”.

يقول شاب سوداني في بوسطن: “أول مرة أدركت أن بإمكاني أن أختار، كانت صادمة. لم أكن أعرف أن لي حق الاختيار”. هنا تكمن العقدة؛ جيل الآباء يرى الاختيار “فتنة”، بينما يراه الأبناء “وجوداً”.

ثانياً: فخ “الامتثال” وغياب أدوات الحوار

المشكلة الجوهرية في النموذج التربوي السوداني (والشرقي عموماً) هي الخلط بين “الاحترام” و”الامتثال”. نحن نربي على “السمع والطاعة” كقيمة عليا، بينما النظام التربوي الغربي يربي على “النقد والتفاوض”.

تشتكي أم في تكساس: “ابنتي تسألني: لماذا هذا حرام؟ ولا أملك إجابة سوى: لأنني قلت ذلك”. هذا العجز ليس نقصاً في الإيمان، بل هو غياب لـ”ثقافة الحوار الإقناعي”. عندما يصطدم نموذج “السلطة الأبوية المطلقة” بنموذج “الفردانية المسؤولة”، لا يحدث فساد أخلاقي بالضرورة، بل يحدث “انفجار سلطوي”. الأب يشعر بفقدان “الهيبة”، والابن يشعر بأنه يُعامل كقاصر دائم في وطن يحترم عقله.

ثالثاً: زلزال “البيوت الهشة”

ظاهرة الطلاق في المهاجر

لم يعد الصدام محصوراً بين الآباء والأبناء، بل امتد لينخر في عصب العلاقة الزوجية ذاتها. تشير الملاحظات الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق بين الأسر السودانية في المهاجر. لماذا الآن؟ ولماذا هناك؟

سقوط “بعبع” كلام الناس: في السودان، كانت المرأة (وأحياناً الرجل) تتحمل علاقة سامة خوفاً من وصمة الطلاق المجتمعية. في الغرب، تسقط هذه الوصمة، وتصبح الحماية القانونية والمادية التي توفرها الدولة بدلاً عن “دعم القبيلة” محفزاً لاتخاذ قرار الانفصال.

ارتباك الأدوار الجندرية: يهاجر الرجل بعقلية “رب الأسرة والمطاع الوحيد”، بينما يمنح المجتمع الجديد المرأة استقلالاً اقتصادياً وحقوقياً لم تعهده. هذا التحول من “التبعية” إلى “الندية” يؤدي غالباً إلى تصادم ينتهي في أروقة المحاكم.

انعكاس ضغط التربية: تزداد الفجوة بين الزوجين حين يختلفان في طريقة التعامل مع الأبناء “المتغربين”، أحدهما يريد الشدة والآخر يميل للاحتواء، فيتحول الأبناء من “قرة أعين” إلى “مادة للنزاع”.

رابعاً: التدين.. من الإيمان “الاجتماعي” إلى “الوجودي”

في لندن، يقول طالب جامعي: “في السودان كنت أصلي لأن الجميع يصلي.. هنا أصلي لأنني اخترت”.

هذا هو الاختبار الحقيقي.

الهجرة تجرد الدين من “الحماية المجتمعية” وتضعه أمام السؤال الفردي الصعب. الصدمة التي يعيشها الآباء حين يترك بعض الأبناء الشعائر ليست دائماً “انحلالاً”، بل هي كشف لحقيقة أن جزءاً كبيراً من تديننا كان “تديناً بالعدوى” لا “تديناً بالوعي”. نحن لم ندرب أبناءنا على الإيمان في بيئة تعددية، بل دربناهم على الإيمان في “صوبة زجاجية”.

خامساً: إعادة تعريف الأخلاق.. الشكل ضد الجوهر

في برلين، يندهش أب من ابنه المتفوق، النزيه، الذي لا يشرب الخمر، لكنه يرفض “الزواج التقليدي” ويتمسك بصديقاته. هنا يبرز الارتباك: هل الأخلاق هي “القالب” أم “المحتوى”؟

جيل المهجر يرفض:

السلطة المطلقة التي لا تقدم تبريراً.

ازدواجية المعايير (ما يُسمح للولد ويُمنع عن البنت).

التمسك بالشكليات على حساب الصدق الإنساني.

“الهوية التي لا تتحمل السؤال، هي هوية ضعيفة.” — هذا ما اكتشفه “يوسف”، أب سوداني في لندن بعد قطيعة مع ابنه.

الخاتمة: هل نحن أمام أزمة هوية أم ولادة جديدة؟

الحقيقة التي نتجنبها هي أن الهجرة لم تفسد أبناءنا، بل كشفتنا. كشفت أننا اعتمدنا طويلاً على “ضغط المجتمع” بدلاً من “قوة الإقناع”، وعلى “تخويف الأبناء” بدلاً من “صداقتهم”.

جيل المهاجرين الثاني ليس جيلاً “ضائعاً” بالضرورة، بل هو جيل “باحث”. هم مرايا تعكس لنا أن الهوية التي لا تعيش خارج بيئتها الأصلية ليست هوية راسخة، بل هي مجرد “ظرف اجتماعي”.

التحدي الحقيقي الذي يواجه الأسر السودانية اليوم ليس في “حماية” الأبناء من العالم، بل في تأهيلهم ليعيشوا فيه ببوصلة داخلية لا تحتاج لرقيب اجتماعي. إننا بحاجة إلى الانتقال من “تربية المنع” إلى “تربية المناعة”، ومن “منطق القبيلة” إلى “منطق القيمة”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.