د. احمد الشوتري – د. مصطفي نويصر
إن قراءة حضور حزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر لا يمكن أن تتم بمعزل عن سياق الثورة التحريرية، ولا عن المشروع الوطني الذي قادته جبهة التحرير الوطني. فالتاريخ هنا ليس مسارين متوازيين، بل فضاءً من التقاطعات الفكرية والسياسية التي جمعت بين الوطني والقومي، بين خصوصية الجزائر وامتدادها العربي.🟥
الثورة الجزائرية في وجدان الفكر البعثى
منذ اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، نظر ميشيل عفلق إلى الثورة الجزائرية باعتبارها «ثورة كلية» تعيد تعريف الكرامة والحرية، ووصفها صراحة بأنها «معجزة العرب في هذا العصر»، لأنها أعادت الأمل في قدرة الأمة العربية على التحرر والنهوض.
في كتابه في سبيل البعث، عبّر عن تضامن فكري واضح مع الثورة، معتبرًا أن الجزائر لم تحرر نفسها فقط، بل رفعت مستوى النضال العربي في كل قطر.
وهكذا، قبل أن يوجد تنظيم بعثي فعلي في الجزائر، كانت الفكرة حاضرة في وعي النخبة العربية، التي رأت في الجزائر تجسيدًا حيًا لشعار “الوحدة والحرية والاشتراكية”.
بوصوف وعفلق الامن الثوري والفكر القومي
يُعدّ عبد الحفيظ بوصوف من أبرز مهندسي العمل الاستخباراتي للثورة الجزائرية ومؤسس جهاز المخابرات الثوري. وبحكم موقعه في إدارة العلاقات الخارجية، كان منفتحًا على مختلف التيارات القومية العربية الداعمة للثورة، وتفاعلت أفكاره مع طرح ميشيل عفلق حول دور الثورة في النهضة العربية.
التلاقي كان عمليا وفكريا
بوصوف ضمن شبكة دعم الثورة على المستوى العربي.
عفلق اعتبر الثورة ركيزةً للتجربة القومية.
وهكذا أصبح التعاون الرمزي بين الفكر البعثي والأمن الثوري جزءًا من سياق تعزيز المشروع الوطني من الداخل والخارج.
خميسي وعفلق البعد الدبلوماسي للفكر القومي
انضم محمد خميستي رسمياً إلى حزب البعث، وكان على تواصل مباشر مع ميشيل عفلق، حيث عقدا لقاءات دورية لتعزيز الفكر القومي العربي وربطه بالسياسة الجزائرية.
يُذكر أن خميستي كان سياسيًا ودبلوماسيًا بارزًا، وعمل كأول وزير للخارجية في الجزائر المستقلة، ليكون جسراً بين البعث والفكر الدبلوماسي الوطني، ويؤكد أن الانتماء القومي لا يتعارض مع السيادة الوطنية.
جبهة التحرير الجزائرية والبعث مشروعان في مسار واحد
ظلّ المشهد السياسي الجزائري يتمحور حول جبهة التحرير الوطني، غير أن الفكر البعثي وجد نقاط تقاطع معها في:
-الهوية العربية الإسلامية
-العدالة الاجتماعية
-دعم القضية الفلسطينية
-الربط بين التحرر الوطني والتحرر العربي
لم يكن البعث خصمًا، بل رافدًا فكريًا عميقًا، يضيف بعدًا قوميًا للمشروع الوطني، ويؤكد أن الحرية الوطنية جزء من حركة التحرر العربية الشاملة.
منور مروش وتأصيل الفكر البعثى
شكّل المجاهد منور مروش جسرًا بين الثورة والفكر البعثي، وسعى إلى ترسيخ التنظيم البعثي في الجزائر. نال سنة 1976 شهادة الدكتوراه حول «حزب البعث العربي وأيديولوجيته الاشتراكية»، ما يؤكد أن الفكر البعثي أصبح مؤسسة معرفية بين النخبة، وليس مجرد شعار سياسي.
كما حملت زيارة ميشيل عفلق إلى مسقط رأسه في برج بوعريريج دلالة رمزية على عمق العلاقة بين الفكر ورواده في الجزائر.
جيل الاستقلال وأستلام مشعل البعث
استلم مشعل البعث جيل الاستقلال الذي سطع فيه نخبة من القادة والمفكرين:
د. أحمد شوتري
د. مصطفى نويصر
د. عمار بن سلطان
د مقرّان عبد الحفيظ
د. شمالي عبد الكريم
الراحل د. قاسمي ميهوب
هؤلاء جسّدوا استمرار الفكر البعثي بين النخبة، محافظين على ثوابته، ومتفاعلين مع تحولات الجزائر والوطن العربي، جامعًا بين الخبرة السياسية والوعي الأكاديمي.
الحاضر والمستقبل: الجزائر بين الرسالة الوطنية والعمق العربي
إن عمق الفكر البعثي يكمن في قدرته على التفاعل مع الوجدان الثوري قبل الاستقلال، ومع الدولة الوطنية بعده، ومع تحديات الحاضر. ويؤكد:
أن الثورة الجزائرية كانت خطوة في مسار نهضة عربية أوسع
أن الدولة الوطنية ليست نقيضًا للمشروع القومي
أن الهوية العربية الإسلامية ركيزة للتماسك الوطني
وبهذا المعنى، العلاقة بين البعث وجبهة التحرير ليست تناقضًا، بل تقاطع تاريخي بين مشروعين يلتقيان في جوهرهما: تحرير الإنسان، صيانة الهوية، وبناء مجتمع عادل.
خاتمة
من بوصوف إلى خميستي ومن منّور مروش إلى جيل الاستقلال ومن فكر ميشيل عفلق إلى واقع الجزائر المعاصر، يتشكل مسار تاريخي يربط بين الثورة والفكرة، بين الوطني والقومي.
ويبقى السؤال للمستقبل: كيف يمكن للجزائر، وهي التي صنعت أعظم ثورة في القرن العشرين، أن تعيد صياغة دورها العربي بروح تجمع بين السيادة الوطنية والرسالة القومية؟
ذلك هو الأفق الذي يضعه البعث في الجزائر نصب عينيه: ماضٍ يؤسس للحاضر… وحاضر يبني المستقبل… وأمة قادرة على نهضة شاملة

Leave a Reply