*كلمات* .. في تقاطع وتصادم الأجندة الصهيونية والفرنسية في المغرب

صحيفة الهدف

*مايسمى “الذاكرة المشتركة ” .. تمجيد الخيانة .. إهانة المقاومة .. والتفريط في السيادة الوطنية*                  

                     أحمد ويحمان ×

     ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا يمكن أن يمر كخبر عادي وكأن شيئاً لم يحدث . وقد أثار زوبعة ردود فعل ما تزال تتفاعل، خصوصا في تنغير وجهة درعة تافيلالت، حيث عبرت فئات واسعة من الساكنة والقبائل عن استياء عميق، وخاصة داخل أوساط آيت عطا، التي تحمل ذاكرة مباشرة في المكان مع معارك المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وعلى رأسها ملحمة بوغافر. فالقضية هنا ليست مجرد حدث بروتوكولي أو دبلوماسي، بل مسألة تمس الذاكرة الحية للمنطقة، وتمس شعور الانتماء التاريخي والكرامة الرمزية لأحفاد المقاومين والشهداء.

      وفي قراءة أوسع للسياق، يرى عدد من المهتمين والمتتبعين أن التحرك الفرنسي الأخير تحت عنوان “الذاكرة المشتركة” لم يكن معزولا عن حالة التنافس الصامت والمحتدم مع الكيان الصهيوني وأجهزته الاستخباراتية على النفوذ داخل المغرب. فالصراع لم يعد فقط سياسيا أو اقتصاديا، بل أصبح صراعا على السردية التاريخية وعلى من يمتلك القدرة على صياغة “الذاكرة المشتركة” مع المغرب، لأن من يمتلك الذاكرة يستطيع أن يؤثر في الحاضر ويرهن المستقبل.

      إن التنافس حول ما يسمى “الذاكرة المشتركة” ليس سوى واجهة ثقافية لصراع أعمق حول الاستثمارات والاستئثار بخيرات المغرب والاستحواذ على مقدراته. فالمغرب، وخاصة مناطقه في الجنوب الشرقي والصحراء الشرقية، كما الصحراء الغربية، يزخر بثروات معدنية مؤكدة ومستغلة، وأخرى واعدة من الذهب والفضة والنفط والغاز، بما يُسيل لعاب الشركات الاحتكارية العابرة للقارات ووكلائها وعملائها المحليين. ومن هنا يصبح التحكم في الذاكرة وفي الرموز التاريخية جزءا من معركة السيطرة على المجال الاقتصادي والاستراتيجي.

        وفي هذا الإطار، يبرز مشروع ما يسمى “الذاكرة المشتركة” الذي اتخذ أشكالا متعددة، من بينها مهرجانات وأنشطة ثقافية، وعلى رأسها مهرجان ما يسمى “الذاكرة المشتركة” بالناظور، الذي يشرف عليه المدعو عبد السلام بوطيب، والذي ورد إسمه في تقرير ضابط الموساد والمؤرخ د. إيغال بن نون حول توظيف المغاربة في الأجندة الصهيونية، وهي معطيات موثقة سبق ونشرها ضمن أعمال المرصد المغربي لمناهضة التطبيع. وهو ما يطرح القضية، ليس كاختلاف ثقافي أو أكاديمي، بل كاختراق خطير للذاكرة الوطنية وللسيادة الرمزية للدولة والمجتمع.

     وفي سياق هذا المشروع، لم تعد المسألة مجرد أنشطة ثقافية أو مبادرات معزولة، بل تحولت إلى سلسلة تكريمات ممنهجة لشخصيات عسكرية واستخباراتية ودينية مرتبطة بالمؤسسة الصهيونية، داخل فضاءات مغربية مشبعة بالرمزية التاريخية والوطنية :

* فقد تم تكريم ضابطة استخبارات الجيش الصهيوني ..الموظفة في مكتب الإتصال الاسرائيلي بالرباط..”عينات ليفي” بمدينة سيدي قاسم ( فيما يشبه رد الاعتبار للخونة من اليهود فيما يسميه الصهاينة “هولوكوست” سيدي قاسم ! )،

*  وتكريم ضابط الموساد والمؤرخ د. إيغال بن نون إلى جانب ضابط الجيش الصهيوني سيمون سكيرا بالناظور .

* كما تم تكريم ضابط الموساد الصهيوني “سام بن شطريط” بأكادير

* وتكريم الضابط الصهيوني ( الذي رفع علم الإجرام الصهيوني في الحدود المغربية الجزائرية قبل ايام)؛ الإرهابي أبراهام أفيزمير بفاس .

*  والضابطة الصهيونية ليا شطريت بالدار البيضاء،

*  والحاخام يوشياهو بينطو داخل فضاء جامعة القرويين ‼️ بما تحمله من حمولة دينية وعلمية وتاريخية،

*  وسوزان حروش بتنغير عبر مؤسسة ما يسمى “التعايش المشترك” في تنغير ‼️،

*  إضافة إلى جريمة تكريم المجرم ديفيد غوفرين بسيدي قاسم،

* والحاخام أبراهام غولن بفاس

     في ذات السياق،أيضا، يمكن التذكير بترميم “تومليلين”، قرب مدينة أزرو، لا لاستدعاء تاريخها وإنما لإعادة تدوير هذا التاريخ بالفلسفة عينها التي تم بها إنشاء “أرشيف المغرب” لتهويد وصهينة الذاكرة مع توريط ” الرابطة المحمدية للعلماء ” لتزكية المبادرة وبحضور مكتب الاتصال الصهيوني في شخص ضابطة الاستخبارات عينات ليڤي السالفة الذكر ‼️

     إن هذه الوقائع، حين توضع جنباً إلى جنب، لا تبدو أحداثاً منفصلة، بل ترسم ملامح مسار منظم يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الرمزي المغربي، عبر إدماج شخصيات مرتبطة بالمشروع الصهيوني داخل سردية ما يسمى “الذاكرة المشتركة”، بما يفتح الباب أمام إعادة تأهيل رموز مرتبطة بمؤسسة الاحتلال داخل الوعي العام المغربي.

        ويتقاطع هذا المسار مع محاولات أخرى لاستهداف الرموز الوطنية مباشرة، من خلال أدوات مرتبطة بالاختراق الاستخباراتي الصهيوني، ومن بينها ما قام به المدعو عبد الله الفرياضي عبر مراسلته/ الفضيحة، الموجهة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بصفته رئيسا للمجلس الجماعي لأكادير، يطلب من خلالها بنزع أسماء رموز الحركة الوطنية، مثل علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد الدرة على شوارع المدينة ومعالمها الثقافية وتعويضها بأسماء شخصيات يهودية وصهيونية. كما تم  بث أغنية “رسالة إلى أوباما ” لمطالبة مناولي ( عطاشة) أجندة خدمة الاستعمار، وعبر التلفزيون الرسمي بالقناة 8 الأمازيغية ‼️، عبر المطالبة بالتدخل الأمريكي في المغرب لإنقاذ الأمازيغ من الدولة “:العروبية “‼️، وقد تم الترويج لأغنية أخرى تضمنت إساءات خطيرة لرموز وطنية، من بينها وصف الزعيم الوطني علال الفاسي بشتيمة ” لقيط ” والإساءة إلى الشهيد المهدي بنبركة بأوصاف ” حمار ” و ” قاتل “، بل تمت استضافة أصحابها في استديو القناة الأمازيغية الرسمية‼️… وهي ممارسات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من محاولات إعادة تشكيل الوعي التاريخي للأجيال الصاعدة بطمس التاريخ وقلب حقائقه رأسا على عقب كما يتم اليوم ب”ألنيف” حيث يتم تمجيد الخيانة والخونة واحتقار المقاومة وإهانة المقاومين وعائلاتهم وقبائلهم .

    وقد سبق للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع أن كشف، بالأسماء والصفات والصور، وبالصوت والصورة أيضا، عن تورط مسؤولين استخباراتيين صهاينة، من الصف الأول، في تحريك شبكات من المجنِّدين والمجنَّدين داخل هذا المسار، بما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمبادرات فردية أو ثقافية معزولة، بل بمشروع منظم يستهدف البنية الرمزية للهوية الوطنية المغربية.

     وفي المقابل، لم تقف فرنسا خارج هذا المشهد، بل عادت بدورها لتفعيل ذات الخطاب بذات العنوان؛ “الذاكرة المشتركة” عبر مبادرات رسمية، من بينها ترميم مواقع مرتبطة بجيش الاحتلال الفرنسي وتقديمها ضمن سردية مشتركة مع المغرب !!!. والأخطر في هذا المسار هو حضور وتمثيل رسمي مغربي إلى جانب التمثيل الفرنسي، بما يمنح هذه المبادرات شرعية رمزية تمس جوهر السيادة الوطنية، وتضرب في العمق مشاعر المغاربة وأحفاد الشهداء الذين ضحوا من أجل استقلال البلاد.

      إن الثابت في التاريخ هو أن الاستعمار، كلما قرر دخول مجال، عسكريا، يمهد له علميا وثقافيا أولا .. وكما مهد بالاستكشافات والبعثات العلمية قبيل تغلغله واحتلاله وفرض “حمايه ” في مارس 1912، ها هو يعود اليوم، عبر اصطناع “الذاكرة المشتركة” و عبر الثقافة و عبر التشبث بزمام المبادرة بإعادة تعريف الضحية والجلاد. وعبر فرض سرديات تجعل الأجيال القادمة تعيش قطيعة مع تاريخها الحقيقي. وهو مسار أخطر بكثير من الاحتلال العسكري المباشر، لأنه يستهدف الوعي ذاته.

        ومن المحقق أننا اليوم أمام لحظة مفصلية :

     فإما الدفاع عن الذاكرة الوطنية باعتبارها جزءا من السيادة الوطنية، وإما ترك الباب مفتوحا أمام إعادة استعمار الوعي المغربي عبر أدوات ” ناعمة “، لكنها عميقة التأثير في قلب كل شيء في البلاد درجة تكريم الخونة والاحتفاء بهم، وهو ما يعني بالضرورة احتقار الشهداء وعائلاتهم، ضحايا المجرمين_المكرَّمين ‼️‼️

*آخر الكلام*

       إن ما يجري اليوم باسم “الذاكرة المشتركة” ليس مصالحة مع التاريخ، بل محاولة لإعادة كتابة التاريخ من زاوية المستعمر، ومن زاوية من يسعى للهيمنة على حاضر المغرب ومستقبله. وهو، قبل أن يكون إهانة لمشاعر المغاربة وأحفاد الشهداء، اعتداء مباشر على السيادة الوطنية وعلى الحق التاريخي للأمة في حماية ذاكرتها وسرديتها وهويتها.

وهذا منكر يجب أن يتوقف.. وفورا …

… وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك .. سقيا خير لا سقيا عقاب !

———————–

× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.