✍🏽خالد ضياء الدين
بيت عادي، زيو زي بيوت الحِلّة، لكن كان عمران طيبة ومحنة. أبوي ركازتو وأمي خيمتو، وكنا ملمومين حوالينهم.
الدنيا فرّقت الناس، كل زول عمل ليهو أسرة، وفضل البيت الكبير يجمعنا كلنا يوم الجمعة.
بدينا أسرتين تلاتة، وزادوا الأحفاد، وأبوي كان بَنتظرهم بفارغ الصبر. دا غير البنات البِجِنّ مرة مرة بولادهن نص الأسبوع.
الجمعة كانت مشهودة، بنتلم فيها ونتبادل الأحلام.
نشيل ونخطط، والناس تتحمّس: نعمل كدا ونحوّل دا من هنا لهناك. نرسم الأحلام الوردية، الكل يتفاعل، وبعداك نمشي بعد ما الناس تتملى تفاؤل… حتى لو ماعملنا حاجة أهو كلام وونسة.
كبروا الوليدات وكبّرونا معاهم. كبرنا وشيبنا، والعيال بدوا يتزوجوا ويعملوا أُسر. نسيت أقول ليكم أهم حدث: أبوي مرة قرر يحج، ومشت معاه الوالدة الله يحفظها، لكن أبوي ما رجع. أبوي مات واندفن في البقيع. ما وقفنا في جنازتو ولا حضرنا دفنو، لكن العزاء عندنا كان إنو الأحسن ليو مننا اختار ليهو المِيتة البتمناها كل مسلم (يموت وهو ملبّي، ويندفن في البقيع مع صحابة رسول الله).
الجمعة ما وقفت. أمي كانت مركز الجمعة وحاضنة لمّتنا. وزي ما قلت ليكم، العيال كبروا وعملوا عيال، واللِّمّة زادت وبقت شِلَل داخل الخيمة الكبيرة، شلة البنات وشلة الأولاد، وفي دقدق صغار متنقلين بين الغرف والحيشان، لافين داير ما يدور.
من الجمعة دي طلعت مواكب ووقفات احتجاجية ضد اعتقال الآباء، خاصة أخونا الكبير محمد الاتجاوزت اعتقالاتو الـ25 مرة في عهد الإنقاذ.
مرة وقفة في أم بدة، ومرة في صينية التجاني الماحي، ومرات للمشاركة في مواكب انتفاضة ديسمبر.
البيت الكبير، غير إنو كان لامّينا كاسرة (ضياء)، كان من أيام نميري قلعة نضال. منو اتجهزت البوهية للكتابة على الجدران، ومنو اتوزعت “الهدف” السرية، وياما احتضن اجتماعات مناضلين خططوا ونفذوا لإسقاط نظام نميري، وكم شهد بناء وتأسيس منظمات ونشاط داخل الجامعات وكتير من الأعمال.
كان بيت عادي، لكن كبير في معناه، كبير في الحِمل الكان شايلو.
جات الح.رب، ومرقنا من البيت، قفلناه وكنا مفتكرين بنرجع نلقاه زي ما هو، لكن طلع ظننا خايب.
البيت الكبير، زيو زي بيوت الناس، عدم نفاخ النار؛ لا أثاث ولا عِدّة. والأدهى والأمر إنو اتسرق السقف واتهدمت بعض جدرانو.
البيت أصبح غير صالح للسكن، بقى قطعة أرض (خرابة)، سكنها العشر، واتناثرت في كل جزء منو ملابس وأوراق قديمة، طوب مدشدش وحاجات مكسّرة.
البيت الكبير… بيت العايلة، بيت اللِّمّة… أصبح موحش، غير صالح للعيش. ولأنو قصة نرجع نبنيو صعبة، إذا ما كانت مستحيلة، ما علينا غير نقول: وداعاً يا جمعة، ويا لِمّة، ويا أحفاد جداد ما حتسجل ذاكرتكم مشاهد عاشوها أبواتكم. وداعاً يا روح أبوي الكنا بنحسها طايرة فرحانة في المكان. وداعاً ذكرياتنا الجميلة، نضالاتنا ورفاقنا، كتاباتنا ومواكبنا. وداعاً محاصرتنا واعتقالاتنا ورجوعنا نص الليل، وهبايب الصبحية بعد إطلاق سراحنا.
جيرانا أهلنا وأحبابنا، صحبتنا وسندنا، الناس البشوشة والأبواب المفتوحة. الحِلّة الما زالت فاضية، البيوت المهجورة البتنادي نص الليل في الناس الغادرت وانغدرت.
بيتنا، الصبح أبواب وباقي غرف تفتح في السماء مباشرة، وجدران مهدّمة وحوش موحش. رحلت منو روح أبوي، وسكنتو أرواح غريبة اغتصبت كل الأمكنة. من سور لسور تتسلّق، ترجع تشيل، تقطع الشجر الناشف، وتخفي معالم ما صنعه الأبناء من زيادة وتحسينات عشان عيون أمي وأبوي. الآن ضاع… ضاعت معاه اللِّمّة. إلا ما ضاعت روح أبوي؛ هِدِي معاي بتمسي ومعاهم تصبح. في بيت تصلّي، وفي التاني تسبّح، الثالث تحرسه بي ياسين. ولمن تجي عند البيت الكبير، روح أبوي تقبل غادي عشان تداري الدموع… أصلو أبوي كان حنين وزول دموعو قريبة.
كان تسرقوا العفش، بس تخلّوا لينا البيت عشان ما ينقطع الحلم الجميل. كان تخلّوا السقف والحيط واقفة، لأنو البيت دا غير إنو بيت أبوي، كان بيت بلم الناس، بيت ضيوف ونضال، بيت حلال.
غايتو مع السلامة يا بيت أبوي وياحلة سمحة وطيبة. معاك ألف سلام. ويا حيط ما زالت واقفة أوتاد ويابيوت أطلال، أبقي عشرة على المكان، ما يرحلوه، ما يمسحوه من خارطة البلد المهددة بالزوال.

Leave a Reply