بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
لا يأتي رمضان هذا العام في زمن عادي، بل في زمن تتراجع فيه قيمة الإنسان وحقوقه أمام سطوة قوة السوق والسلاح وطغيان القيم المادية.
بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تتقدّم قيادة قطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى شعبنا العظيم، وأمتنا العربية المجيدة، والعالم الإسلامي، وإلى الإنسانية جمعاء.
يأتي رمضان هذا العام والعالم يزداد تضخمًا في جسده، وتتقلص فيه مساحات الرحمة والإيمان في روحه، بتعاظم أدوات الهيمنة، وتغوّل الرأسمالية المتوحشة على مقدرات الأمم والشعوب، وخياراتها المستقلة، وتتحول فيه القيم إلى سلع، والإنسان إلى رقم في معادلات الربح والخسارة. وفي خضم هذا الضجيج المادي الصاخب، يطلّ رمضان كنسمة يقظة، وكنداء عودة إلى الجوهر الإنساني.
وفي زمن كهذا، يأتي رمضان ليذكرنا بأن التغيير يبدأ من الداخل، من تربية الإرادة وإعداد النفس بالجهاد. فرمضان ليس شهر امتناع فحسب، بل شهر امتلاء: امتلاء بالمعنى، وبالرحمة، وبالعدل، وبالوعي. وبالإحساس، هو منهاج لتربية الإرادة، حين يواظب الإنسان بأن يسمو فوق حاجاته، وأن يسيطر علي شهواته، وأن يستعيد سيادته على نفسه. ومن يمتلك إرادته، يمتلك قدرته على مقاومة الظلم، ورفض الاستلاب، والانتصار لقيم الحق والخير والعدالة. وخصوصًا الشباب، الذين يحملون على عاتقهم أمل النهضة، ويمتلكون من الطاقة ما يجعلهم قادرين على التأثير في الواقع وتغييره متى ما صقلوا إرادتهم وهذبوا شهواتهم واقتربوا من قيم السماء ومن الثوابت الوطنية والقومية.
في رمضان الكريم تتجدد فضائل الصدق، والتكافل، والتضحية والتواضع، والإنصاف. وتتقارب القلوب كما تتقارب الموائد، ويصبح من لا يملك قوته حاضرًا في ضمير الغني ومن يملك، ويستعيد المجتمع معاني الترابط والتكافل، رابطة أخلاقية قبل أن يكون تجمعًا بشريًا على الموائد. وهكذا تتحول العبادة إلى فعل اجتماعي، وتتحول التقوى إلى عدالة، ويتجسد الإيمان سلوكًا بين الناس وحراكًا من أجل السلام ووقف الح.روب وأدعية وصلوات لوضع حد لويلاتها ومآسيها.
في هذا الشهر الذي نزل فيه القرآن، تتجه الأفئدة صوب المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، داعين أن يكون رمضان فاتحة لإنهاء العدوان على شعب فلسطين، ونصرًا مؤزرًا لعدالة قضيتة وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته على كامل التراب الفلسطيني.
إن الأمة العربية، وهي تواجه تحديات الهيمنة، ومشاريع التفكيك، وضغوط الاستلاب الثقافي والاقتصادي، أحوج ما تكون إلى هذه الروح الرمضانية، التي تعيد للإنسان نبله، وللقيم قدسيتها، وللعدالة ألقها. فرمضان ليس زمن هروب من الواقع، بل زمن إعداد للنهوض به، ليس انسحابًا من معترك الحياة، بل شحذًا للهمم كي نكون أكثر التزامًا بقضايا الشعب والأمة، وأكثر وفاءً لرسالتها الخالدة
وفي سوداننا الحبيب، نسأل الله أن يكون هذا الشهر الفضيل دافعًا لبذل المزيد من الجهود والطاقات لوقف الح.رب وعودة الحياة الطبيعية، بالأمن والاستقرار والإعمار والسلطة المدنية والديمقراطية التعددية المستدامة بالتنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية وسيادة حكم القانون.
تقبل الله الصيام وصالح الأعمال وكل رمضان وشعبنا وأمتنا بخير ومنعة.
قيادة قطر السودان
حزب البعث العربي الاشتراكي
الأول من رمضان
2026/2/18

Leave a Reply