أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
البرنامج المرحلي، في الفكر السياسي، هو أداة انتقال بين الاستراتيجية بعيدة المدى والواقع الملموس. وهو لا يعني التخلي عن الهدف النهائي، بل ترتيب الأولويات وفق ميزان القوى. الفرق الجوهري بين المرحلية والبراغماتية أن الأولى تظل مرتبطة بهدف استراتيجي ثابت، بينما الثانية قد تتحول إلى إدارة آنية بلا أفق.
عُقد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، في ظل لحظة عربية استثنائية تتسم بـ: تصاعد وتيرة التفكيك الداخلي للأقطار العربية (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان)، وتوسع مشروع التطبيع وتفكيك القضية الفلسطينية، وتراجع الدور الإعلامي والثقافي العربي، وأزمة عميقة في الأحزاب والتنظيمات القومية. جاء البيان الختامي للمؤتمر ليشخص هذه الأوضاع ويطرح رؤية للخروج منها، مركزاً على ثلاثة محاور كبرى:
1. المحور الفكري: تجديد الخطاب القومي بما يتناسب مع تحديات العصر
2. المحور التنظيمي: إعادة بناء هياكل الحزب على أسس أكثر مرونة وفاعلية
3. المحور السياسي: برنامج مرحلي للعمل في المرحلة الراهنة
ليست قيمة البيانات الكبرى فيما تقوله فقط، بل فيما تُحدثه. فالبيان الذي يبقى في حيّز النص، مهما بلغ عمقه الفكري وصدق تشخيصه، يظل ناقصًا ما لم يتحوّل إلى برنامج، وبرنامج إلى حركة، وحركة إلى فعل تاريخي ملموس. من هنا، يكتسب بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي أهميته الحقيقية: لا بوصفه إعلان موقف، بل باعتباره مشروع انتقال من الوعي إلى السياسة.
ينطلق البيان من لحظة عربية استثنائية، تتمثل في انسداد شامل، تفكك دول، واستباحة سيادة، وتراجع غير مسبوق في الفعل الجماهيري المنظم. وفي مواجهة هذا الواقع، لا يقدّم المؤتمر القومي الثالث عشر خطابًا تعبويًا مجردًا، بل يطرح أسئلة الفعل: ماذا بعد التشخيص؟ وكيف تُترجم الرؤية القومية إلى سياسة قابلة للاشتغال؟
أولًا: البرنامج المرحلي… الواقعية الثورية: يطرح بيان المؤتمر رؤية مرحلية تقوم على الأبعاد التالية:
1. البعد الوطني: بناء الدولة الوطنية الديمقراطية في كل قطر عربي. (حماية مقومات الدولة الوطنية، والتغيير السياسي بالوسائل الديمقراطية).
2. البعد القومي: تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي بين الأقطار. والجبهة القومية العربية.
3. البعد الأممي: مواجهة مشاريع الهيمنة ودعم قضايا التحرر. (مواجهة مشاريع الهيمنة، وقوى التحالف الصهيو-استعماري).
4. بعد استنهاض الجماهير: تفعيل طاقات الجماهير، والحراك الجماهيري كقاعدة ارتكاز.
5. بعد التحول من ردة الفعل الى المبادرة: من موقع المتلقي ورد الفعل الى موقع الفعل النضالي الاستباقي.
وتمثلت نقاط القوة في البرنامج، في عدم القفز فوق الإمكانات المتاحة، ومرونة التكتيك، وذلك بترك هامش للتكيف مع الظروف المختلفة، ووحدة الاستراتيجية بالحفاظ على الثوابت القومية. ويبرز هنا عنصر حاسم في البرنامج المرحلي لم يحظَ بالاهتمام الكافي في القراءات الأولى للبيان، وهو قضية (الجبهة القومية). يضع البيان (قيام الجبهة القومية العربية) في صلب استراتيجيته، ويؤكد على ضرورة تشكيل جبهة قومية تقدمية تحررية على المستوى القومي، وجبهات وطنية في الأقطار. هذا يعني أن البرنامج المرحلي ليس مجرد وثيقة نظرية، بل هو مشروع لتجميع القوى التحررية العربية في إطار موحد، قادر على ترجمة الرؤية إلى فعل جماهيري منظم. إنها دعوة صريحة لتجاوز حالة التشرذم والانكفاء التي تعاني منها القوى القومية، وبناء رافعة سياسية حقيقية للنضال العربي. بالرغم عن ذلك هناك عديد من التساؤلات المفتوحة، كيف يمكن تحقيق (الدولة الوطنية الديمقراطية) في ظل هيمنة الأنظمة الاستبدادية؟ وما هي آليات التكامل الاقتصادي المقترحة في ظل تشتت الاقتصادات العربية؟ كيف يتم التوفيق بين العمل القطري والعمل القومي في البرنامج نفسه؟ هل تمتلك القوى القومية أدوات تنفيذ هذا البرنامج على الأرض؟
يدرك البيان أن القفز فوق الواقع ليس ثورية، وأن الاكتفاء بالشعارات ليس سياسة. لذلك يطرح منطق البرنامج المرحلي بوصفه أداة انتقال، برنامج لا يتنازل عن الثوابت، لكنه يتعامل بوعي مع المتغيرات.
المرحلية هنا ليست تراجعًا عن الهدف القومي، بل إدارة ذكية للصراع في لحظة اختلال موازين القوى. فهي تعني تحديد أولويات الصراع بدل تشتيته، والربط بين المهام الوطنية المباشرة والأفق القومي الأشمل، والانطلاق من الممكن تاريخيًا دون الارتهان له. بهذا المعنى، يتحول البيان إلى خريطة طريق في تحرير الإرادة الوطنية، بناء الدولة، مواجهة الهيمنة، واستعادة الفعل الشعبي، بوصفها حلقات متصلة لا مشاريع متنافرة.
ثانيًا: استنهاض الجماهير:( من جمهور متلقٍ إلى فاعل تاريخي): أحد أخطر أزمات اللحظة العربية، كما يلمّح البيان بوضوح، هو تحييد الجماهير، إما عبر القمع، أو الإحباط، أو تحويل السياسة إلى شأن نخبوي مغلق. لذلك، يضع المؤتمر القومي الثالث عشر مسألة استنهاض الجماهير في قلب أي انتقال من البيان إلى السياسة. لكن الاستنهاض، في الرؤية القومية، لا يعني استدعاء العاطفة فقط، بل:
1. إعادة ربط الجماهير بقضاياها الفعلية،
2. تحويل الوعي القومي من خطاب فوقي إلى تجربة معيشة،
3. وبناء أدوات تنظيمية تعيد للناس ثقتهم بالفعل الجماعي.
فالجماهير لا تتحرك بالنصوص وحدها، بل حين تشعر أن السياسة تعبّر عنها، وتحمي مصالحها، وتفتح أفقًا حقيقيًا للتغيير. وهنا، يصبح البيان أداة تعبئة عقلانية، لا منشورًا إنشائيًا.
ثالثًا: من النص إلى الحركة: (امتحان المصداقية): التحوّل من البيان إلى السياسة هو في جوهره امتحان مصداقية. فالتاريخ لا يحاسب النوايا، بل الأفعال. والمؤتمر القومي الثالث عشر، حين يعلن رؤيته، يضع الحزب والقوى القومية أمام مسؤولية مزدوجة، فإما تحويل البيان إلى ممارسة، أو تركه يتحوّل إلى وثيقة أخرى في الأرشيف.
والتحوّل إلى حركة يعني:
1. بناء تحالفات على قاعدة المشروع لا المصالح الآنية،
2. الانخراط في معارك الناس اليومية دون فقدان البوصلة القومية،
3. والانتقال من ردّ الفعل إلى المبادرة السياسية.
هنا، لا يعود البيان الى نهاية النقاش، بل بدايته. ولا يصبح المؤتمر لحظة احتفال تنظيمي، بل لحظة إعادة تأسيس للعلاقة بين الفكر والتنظيم، وبين الحزب والشارع، وبين القومية العربية كفكرة، والقومية العربية كقوة تغيير.
رابعاً: آليات التحوّل: (من النظرية إلى التطبيق): التحوّل من البيان إلى السياسة ليس عملية تلقائية، بل يحتاج إلى:
1. الترجمة التنظيمية، وتتمثل في تحويل أهداف البيان إلى خطط عمل سنوية قابلة للقياس، وتوزيع المهام على الهياكل الحزبية بدقة، كذلك إنشاء وحدات متابعة وتقييم للأداء. وهنا لا بد من التوقف عند ما أكده البيان من ضرورة (إعادة بناء هياكل الحزب على أسس أكثر مرونة وفاعلية). فأي برنامج مرحلي طموح يظل معلقاً في الهواء إن لم يصاحبه تطوير في الأدوات التنظيمية القادرة على تنفيذه. المرونة هنا تعني القدرة على التكيف مع خصوصيات الأقطار والبيئات المختلفة، دون التفريط بالثوابت القومية. كما تعني الانتقال من الهياكل الجامدة التي تصلح لمراحل سابقة، إلى هياكل أكثر قدرة على استيعاب المتغيرات والتعامل مع تحديات العصر الرقمي والفضاء الافتراضي.
2. الترجمة الجماهيرية، وذلك من خلال تبسيط اللغة دون ابتذال الفكرة، وربط الأهداف القومية بالهموم اليومية للناس، بالإضافة الى بناء تحالفات مجتمعية حول قضايا محددة.
3. الترجمة الإعلامية، من خلال إنتاج خطاب إعلامي معاصر يجذب الأجيال الجديدة، واستخدام منصات التواصل بوعي وفاعلية، وكذلك مواجهة خطاب التطبيع والتشويه بسردية قومية قوية.
4. الترجمة التربوية، بدمج الرؤية القومية في مناهج التربية الحزبية، وإعداد كوادر شابة قادرة على القيادة، وخلق مدارس فكرية وكوادر متخصصة
ما يستفاد من المؤتمر القومي الثالث عشر، أهمية التوازن بين المرونة التكتيكية والثبات الاستراتيجي، وضرورة بناء أدوات تنفيذية قبل طرح البرامج، وكذلك خطورة الفجوة بين طموح البرنامج وقدرات التنفيذ
ولا يمكن لأي برنامج مرحلي أن ينجح دون مؤشرات قياس واضحة، مثل:
1. عدد التحالفات المجتمعية الفعلية المتشكلة خلال عام.
2. نسبة الشباب المنخرطين تنظيمياً.
3. حجم الحضور الإعلامي المقاس رقمياً.
4. نسبة المبادرات الاقتصادية الذاتية.
سادساً: اللحظة العربية: (تشخيص دقيق للواقع): يواجه الوطن العربي اليوم تحديات وجودية متعددة المستويات:
1. على المستوى الجيوسياسي:
أ. انهيار الدولة الوطنية في عدة أقطار (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان)،
ب. انتشار الميليشيات والتنظيمات المسلحة خارج سيطرة الدولة،
ت. تدخلات إقليمية ودولية فاقت كل الحدود
2. على المستوى الاقتصادي:
أ. تراجع الناتج المحلي الإجمالي العربي،
ب. ارتفاع معدلات البطالة والفقر،
ت. تفاقم الديون الخارجية والتبعية الاقتصادية.
3. على المستوى الاجتماعي:
أ. انفجار التركيبة السكانية (70% تحت سن الثلاثين)،
ب. هجرة العقول والكفاءات،
ت. تفكك النسيج الاجتماعي التقليدي.
4. على المستوى الفكري والثقافي:
أ. صعود خطابات الهويات الفرعية (طائفية، عرقية، جهوية)،
ب. تراجع الخطاب القومي الجامع،
ت. هيمنة المحتوى الإعلامي الغربي على الأجيال الجديدة
هذا هو الواقع الذي يخاطبه بيان المؤتمر الثالث عشر. وأي برنامج لا ينطلق من هذا التشخيص الدقيق سيبقى خطاباً فوقياً بلا جذور.
خاتمة: في جوهره، يذكّرنا بيان المؤتمر القومي الثالث عشر بأن السياسة ليست حيلة، ولا إدارة أزمة دائمة، بل فعل أخلاقي وتاريخي. وأن الانتقال من المؤتمر إلى الفعل هو انتقال من القول إلى الالتزام، ومن التحليل إلى المخاطرة، ومن الأمان النصّي إلى مواجهة الواقع. فإذا تحوّل البيان إلى برنامج، والبرنامج إلى حركة، والحركة إلى فعل جماهيري منظم، يصبح المؤتمر القومي الثالث عشر علامة على استعادة المبادرة. أما إذا بقي في حدود القراءة والإعجاب، فسيكون شاهدًا إضافيًا على فجوة مزمنة بين ما نعرفه وما نفعله.

Leave a Reply