التعددية السياسية في الجزائر بين النص الدستوري والممارسة الواقعية

صحيفة الهدف

بقلم: أحمد شوتري

الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي – الجزائر

تعيش الجزائر مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، مرحلة يتقاطع فيها البحث عن الاستقرار مع ضرورة تجديد الشرعية السياسية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، تصبح مسألة التعددية الحزبية أكثر من مجرد تنظيم إداري؛ إنها اختبار فعلي لمدى قدرة الدولة على تحويل النصوص الدستورية إلى ممارسة مؤسساتية حقيقية.

الدستور الجزائري يقرّ بالتعددية السياسية ويكفل حرية إنشاء الأحزاب ضمن احترام الثوابت الوطنية. غير أن التحدي لا يكمن في النصوص، بل في كيفية إدارة المجال السياسي على نحو يعزز الثقة بدل أن يعمّق الهوة القائمة بين المواطن والمؤسسة السياسية.

لقد أظهرت التجارب الانتخابية الأخيرة أن جزءًا معتبرًا من المجتمع الجزائري ما زال يبحث عن بدائل سياسية واضحة المعالم. ففي الاستحقاق الرئاسي لسنة 2019، تمكّن مشروعنا السياسي من جمع 46 ألف استمارة توقيع خلال خمسة عشر يومًا فقط، وهو رقم يعكس وجود قاعدة مهتمة بخيارات مختلفة خارج المعادلات التقليدية. وفي 2024، ورغم مناخ عزوف عام، تم جمع 15 ألف استمارة في ظرف سياسي معقد.

هذه الأرقام ليست مجرد معطيات انتخابية عابرة، بل مؤشرات على ديناميكية سياسية كامنة داخل المجتمع، تحتاج إلى فضاء منظم وقانوني لتتطور وتساهم إيجابيًا في الاستقرار الوطني.

إن الدول التي تسعى إلى الاستقرار طويل المدى تدرك أن توسيع المجال السياسي المنظم هو عنصر قوة لا ضعف. فالتعددية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحزاب المسجلة، بل بمدى قدرتها الفعلية على العمل، والمنافسة، والتأثير ضمن إطار دستوري واضح.

إن إدارة المجال السياسي عبر تضييق غير مبرر أو تأخير إداري مطوّل قد يمنح هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع شرعية مستدامة. أما التمكين المنظم والمتكافئ للفاعلين السياسيين الجادين، فهو ما يحول الاختلاف إلى توازن، والتنافس إلى رافعة للمؤسسات.

الجزائر اليوم بحاجة إلى:

نخب سياسية منتجة للأفكار لا مستهلكة للخطابات.

منافسة برامج حقيقية في الاقتصاد والاجتماع والسيادة.

إعادة الثقة إلى الشباب عبر إشراكهم في مشروع وطني واضح المعالم.

كما أن الإصلاح السياسي لا ينبغي أن يُفهم كتهديد للاستقرار، بل كآلية لتعزيزه. فالدولة القوية ليست تلك التي تُضيّق على التعدد، بل التي تنظّمه بثقة وتحت سقف القانون.

إن بناء دولة حديثة ذات سيادة حقيقية يمر عبر ثلاث دوائر متكاملة:

إصلاح سياسي يعمّق الشرعية،

تحول اقتصادي يعزز الإنتاجية والاستقلال،

وترسيخ للعدالة الاجتماعية يعيد التوازن بين الدولة والمجتمع.

المسألة في جوهرها ليست صراعًا بين سلطة ومعارضة، بل سؤالًا حول نموذج إدارة المجال السياسي في الجزائر للسنوات القادمة:

هل سيكون نموذجًا توسعيًا منظمًا يعكس نضج الدولة، أم نموذجًا محافظًا يكرر أنماطًا أثبتت محدوديتها؟

إن الرهان اليوم ليس على تهدئة ظرفية، بل على بناء توازن طويل المدى يؤسس لمرحلة سياسية أكثر نضجًا، أكثر ثقة، وأكثر قدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية المعقدة.

الجزائر تمتلك كل المقومات لتكون دولة مؤسسات قوية بشرعية متجددة. وما تحتاجه هو إرادة توسيع القاعدة السياسية المنظمة، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون في إدارة الفضاء الحزبي.

فالتعددية ليست عبئًا على الدولة،

بل ضمانة لدوامها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.