المدرسة والثورة: تأملات في الموقع النضالي للتعليم قبل الجامعي – رؤية في رسالة المدرسة الوطنية من منظور قومي

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

ليست المدرسة مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، ولا هي حيّز إداري محايد منفصل عن سياقه الاجتماعي والسياسي. فالمدرسة، في كل مجتمع، تشارك — بوعي أو بغير وعي — في تشكيل الإنسان الذي سيحمل مستقبل ذلك المجتمع.

فيها تُبنى الهوية، وتُصاغ العلاقة بين الفرد وجماعته، وتتكون الصور الأولى عن الوطن والتاريخ والعدالة والمعنى والأمة. ولهذا كانت المدرسة، تاريخياً، إحدى أولى الساحات التي تتجه إليها مشاريع الهيمنة الثقافية، كما كانت في المقابل أحد أهم ميادين حركات التحرر الوطني.

ينطلق هذا المقال من منظور فكري وطني وقومي يرى أن التعليم عنصر مركزي في مشروع النهضة، فالمدرسة العامة يجب أن تبقى إطاراً وطنياً جامعاً، هذه ليست خطة إصلاح إداري، بل قراءة فلسفية–تربوية في موقع المدرسة من مشروع التحرر والسيادة.

أولاً: المدرسة بين مشروعين ثقافيين: لا توجد منظومة تعليمية منفصلة تماماً عن السياق الثقافي والسياسي الذي تعمل فيه، حتى لو رفعت شعار الحياد. فاختيار المناهج، وطريقة التدريس، والرموز التي تُقدَّم للطلاب، يعكس بالضرورة تصوراً معيناً للإنسان والمجتمع. في السياق العربي المعاصر، يمكن التمييز بين اتجاهين عامين:

1. اتجاه يكرّس التبعية الثقافية: يتجلى في:

أ‌. تغليب نماذج معرفية مستوردة دون مواءمة نقدية.

ب‌. إضعاف اللغة العربية كلغة علم وفكر.

ت‌. تقديم التاريخ الوطني بصورة هامشية أو مشوّهة.

ث‌. اختزال النجاح في البعد الفردي المهني فقط.

هذا الاتجاه لا يحتاج إلى قمع مباشر، إذ يكفيه أن يعيد ترتيب الأولويات بحيث تنفصل المعرفة عن الانتماء.

2. اتجاه يسعى إلى مدرسة سيادية: يهدف إلى:

أ‌. تعزيز الثقة باللغة والهوية دون انغلاق.

ب‌. قراءة التاريخ قراءة نقدية صادقة.

ت‌. ربط التفوق الفردي بالمسؤولية الاجتماعية.

ث‌. امتلاك أدوات العصر دون الذوبان فيه.

ليست القضية صراعاً صفرياً بين انغلاق وانفتاح، بل سؤال توازن: كيف نكون حديثين دون أن نكون مستلبين؟ وكيف نكون منفتحين دون أن نفقد مركزنا؟

ثانياً: المدرسة في الرؤية القومية – تأصيل فلسفي: في الفكر القومي العربي، ومنه فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، يُنظر إلى النهضة بوصفها مشروعاً حضارياً يبدأ بالإنسان. والإنسان لا يُبنى فقط عبر الخطاب السياسي، بل عبر التربية اليومية الممتدة.

في كتابه في سبيل البعث، ركّز الأستاذ ميشيل عفلق على البعد الروحي والأخلاقي في بناء الجيل، أكثر مما ركّز على التفاصيل الإجرائية. لم يكن الحديث عن الامتحانات، بل عن (روح) المؤسسة التي تُنشئ جيلاً يشعر أنه جزء من رسالة أوسع من ذاته.

غير أن التجربة التاريخية أظهرت أن الروح وحدها لا تكفي. فالمؤسسات تحتاج أيضاً إلى إدارة كفؤة، ومناهج علمية، وتقييم موضوعي. ومن هنا تأتي ضرورة الجمع بين الإلهام الفلسفي والصرامة المؤسسية.

ثالثاً: لماذا التعليم قبل الجامعي؟: تشير دراسات علم نفس النمو إلى أن السنوات الأولى من التعليم هي الأكثر تأثيراً في بناء الاتجاهات القيمية الأساسية، بينما تتعزز القدرة النقدية والتحليلية في مرحلتي المراهقة والبلوغ المبكر. لذلك فإن التعليم قبل الجامعي ليس مرحلة تمهيدية فحسب، بل مرحلة تأسيسية.

1. المرحلة الابتدائية: تأسيس الضمير: في هذه المرحلة: تتشكل علاقة الطفل بلغته، وتتكون صورته الأولى عن وطنه، وتتجذر قيم الصدق والانتماء. فالتركيز هنا يجب أن يكون على:

أ‌. تعليم العربية بأساليب حديثة جذابة.

ب‌. تقديم تاريخ مبسّط غير دعائي.

ت‌. غرس الأخلاق وقيم التعاون والمسؤولية.

2. المرحلة المتوسطة: بناء العقل: يبدأ الطالب بطرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ما العدل؟ ما الحرية؟ هنا يصبح المنهج النقدي ضرورياً. فالتلقين في هذه المرحلة ينتج إما تمرّداً أعمى أو خضوعاً سلبياً. المطلوب هو تدريب الطالب على التفكير، لا على الحفظ فقط.

3. المرحلة الثانوية: تكوين الالتزام الواعي: في هذه المرحلة يكتمل الوعي النسبي، ويصبح الطالب قادراً على فهم القضايا الوطنية والقومية والسياسية بعمق أكبر. المدرسة هنا مطالبة بأن:

أ‌. تقدّم معرفة سياسية مبسطة لكنها دقيقة.

ب‌. تعلّم مهارات التحليل لا الشعارات.

ت‌. تربط الطموح الفردي بخدمة المجتمع.

رابعاً: الموقع النضالي للمدرسة – تعريف متوازن: النضال في سياق المدرسة لا يعني عسكرة التعليم، بل يعني:

1. نضال المنهج: اختيار محتوى يعكس الحقيقة التاريخية دون تزوير أو تمجيد أعمى، ويعترف بالإنجازات والإخفاقات معاً.

2. نضال اللغة: تمكين العربية كلغة علم وفكر، مع إتقان اللغات الأجنبية كأدوات تواصل ومعرفة، لا كبدائل عن الذات.

3. نضال الاخلاق والقيم: غرس النزاهة، والعمل الجماعي، واحترام القانون، بوصفها شروطاً لنهضة حقيقية.

4. نضال الذاكرة: حماية الذاكرة الوطنية من التشويه، دون تحويلها إلى سردية مغلقة لا تقبل المراجعة.

خامساً: المدرسة والثورة – علاقة جدلية مسؤولة: يمكن القول إن المدرسة الواعية تسهم في إنتاج مواطنين يدركون حقوقهم وواجباتهم، ويطالبون بالإصلاح حين يلزم. وفي المقابل، فإن أي عملية تغيير سياسي جادة لا يمكن أن تنجح إذا أهملت إصلاح التعليم.

لكن من الضروري التأكيد على إن المدرسة التي تنفصل عن قضايا مجتمعها تفقد جزءاً من رسالتها الأخلاقية.

سادساً: واقع المدرسة العربية – قراءة نقدية: تشير تقارير دولية متعددة إلى تحديات حقيقية في التعليم العربي، منها:

أ‌. ضعف نتائج بعض الاقطار في اختبارات القراءة والرياضيات الدولية.

ب‌. فجوة بين التعليم وسوق العمل.

ت‌. انتشار أساليب الحفظ على حساب التفكير النقدي.

ث‌. تراجع مكانة المعلم مادياً ومعنوياً في كثير من السياقات.

هذه المشكلات لا تُعالج بالشعارات، بل بإصلاحات بنيوية تشمل: تدريباً مستمراً للمعلمين، وتحديث المناهج، وتحسين الإدارة المدرسية، وربط التقييم بمهارات التفكير لا بكمية المعلومات.

سابعاً: المعلم – الركيزة المركزية: في أي رؤية وطنية وقومية جادة، المعلم ليس موظفاً بيروقراطياً، بل حجر الأساس في مشروع النهضة. لكن تكريمه لا يكون بالخطاب فقط، بل عبر:

أ‌. رواتب عادلة.

ب‌. تدريب مهني مستمر.

ت‌. استقلال نسبي في إدارة صفه.

ث‌. حماية من التدخلات غير المهنية.

والمعلم القدوة هو الذي يجمع بين:

أ‌. الكفاءة العلمية.

ب‌. النزاهة الشخصية.

ت‌. الانتماء الوطني.

ث‌. والانفتاح العقلي.

ثامناً: نحو مدرسة قومية متجددة: يمكن تلخيص ملامح المدرسة المنشودة في خمس ثنائيات متوازنة:

1. الأصالة والحداثة

2. الهوية والانفتاح

3. العلم والقيمة

4. الفرد والجماعة

5. النظرية والتطبيق

وهذه ليست شعارات، بل معايير قياس.

تاسعاً: نقد ذاتي ضروري: أظهرت بعض التجارب في الوطن العربي، أن الخطاب وحده لا يصنع تعليماً متقدماً. فحين تتحول المدرسة إلى أداة دعاية، أو حين تُدار بمنطق بيروقراطي جامد، فإنها تفقد قدرتها على الإبداع. فالشفافية، والكفاءة، واحترام التعددية داخل الإطار الوطني، والابتعاد عن التلقين، شروط لا غنى عنها لأي مشروع تعليمي يريد أن يكون صادقاً مع نفسه.

الخاتمة: الأمم التي استثمرت في تعليمها استثمرت في بقائها. والإصلاح الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي، لكنه لا ينتهي فيه. المدرسة الوطنية ليست مشروع حزب، بل مشروع مجتمع. وهي ليست ساحة صراع دائم، بل ساحة بناء طويل النفس. فحين نعيد للمدرسة رسالتها — بناء إنسان حر، واعٍ، منتمٍ، كفوء — نكون قد وضعنا الأساس لأي نهضة سياسية أو اقتصادية أو حضارية. التلميذ اليوم ليس مجرد رقم في سجل. هو احتمال أمة كاملة. ومن هنا يبدأ الطريق.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.