هموم: عثمان تراث.. سلامات

صحيفة الهدف

 مجدي علي

قرأتُ على (فيسبوك) منشوراً مؤثراً لعثمان تراث، يعلن فيه، بنبرةٍ هادئةٍ تحمل صدى الرحلة، أنه عاد عاطلاً، أو بالأحرى متقاعداً.. بعد أربعة عقودٍ من الثقافة والصحافة والإعلام. لكن فرحتي وعزائي معاً، أن عثمان قد كشف عبر هذا الإعلان عن رغبته في التفرّغ لمشاريع كتابيةٍ أجّلتها الوظائف والالتزامات.. وكأن عمره الطويل قد منحَه الآن فرصةً للقاء ذاته والتفرّغ. حين نتذكّر عثمان تراث، نحن الذين نعرفه، لا يمر الاسم في الذاكرة مروراً عابراً بين أسماءٍ تُحفظ وتُنسى، بل يحضر بوصفه تجربةً نضالية وثقافيةً كاملةً، وصوتاً نقدياً ظلّ يقارب الأدب والمسرح والصحافة بروح الباحث عن المعنى، لا عن القشور. إنه واحدٌ من أولئك الذين جعلوا من الثقافة فعلاً مثمراً، لا منصةً للظهور أو لإصدار الأحكام. منذ العام 1986، حين كانت صحيفة (الهدف) بوابته الأولى إلى عالم الصحافة، برز واحدٌ من الذين وضعوا اللبنات الأولى لعطائها الثقافي والفكري، وأسهموا في ترسيخ حضورها منبراً للحوار والتنوير. ومن يومها ارتبط اسمه مبكراً بحركة الوعي والثقافة في السودان. ومن هناك تنقّل بين (الثقافة الوطنية) و(التلغراف) و(الدستور) و(الوطن) وغيرها، صاغاً عبر هذه التجارب صوتاً صار مرجعاً في قراءة المشهد الثقافي، ومشاركاً في صياغة الوعي والذائقة لجيلٍ كامل. عثمان لم يعرف السكون، حتى حين دفعته الظروف، كحال المبدعين إلى المنافي.. لم يكن سفره انتقالاً جغرافياً، بل استمراراً لرحلة المعرفة. ففي اليمن، ولأكثر من خمسة عشر عاماً، ظل حاضراً في كل الأنشطة، صحافياً حاذقاً، ومؤسساً لمنصّات الحوار، ومشغولاً بربط الأدب بأسئلته الكبرى، مؤمناً بأن الثقافة فعلُ تواصلٍ إنسانيٍّ لا تنقطع خيوطه بالمسافات. وحين عصفت الـ ح.رب باليمن واضطر إلى مغادرتها إلى محطاتٍ أخرى من حياته، لم ينقطع حضوره الثقافي، بل واصل الكتابة والعمل الإعلامي بين الخليج وإفريقيا، حاملاً معه هاجسه النقدي ووفاءه للمشهد الثقافي السوداني والعربي، كما يحمل الرحالة خرائط روحه أينما حلّ. الكتابة عند عثمان تراث لم تكن وظيفةً تُؤدّى، بل موقفاً تنويرياً طويل النفس، وعلاقةً وجدانيةً مع الكلمة والإنسان. إنه من المثقفين الذين يعملون بصمتٍ ويتركون أثرهم دون صخب، يضيئون من وراء الستار، ويمنحون الوعي جهدهم دون انتظار مكافأةٍ أو تصفيق. ولعل أجمل ما قيل عنه ما لخّصه الروائي فيصل مصطفى حين قال: “يبدو أن عثمان تراث منذ أن شبّ عن الطوق عشق أمرين: القراءة والفرجة، وكلا الهوايتين تصنعان مَن يصحبهما في حلّه وترحاله مبدعاً لا يُضاهى. ولما كانت طاقته الإبداعية من السعة بمكان، فقد خلقت منه ما يمكن أن نطلق عليه فناناً شاملاً”.. وهي شهادةٌ تختصر مسيرة رجلٍ ظلّ، في كل محطةٍ مرّ بها، قارئاً ومشاهداً ومبدعاً يمنح من صمته أكثر مما يأخذ من الضوء. واليوم، وعثمان تراث يعلن مرحلة تفرّغٍ جديدة، يحدونا الأمل أن يواصل العطاء بذات الهمّة والاهتمام، وأن يمنح الكتابة ما ظلّ يؤجّله لصالح التزامات المهنة والحياة. فمثل روحه لا تتقاعد عن الإبداع، بل تبدأ فصلاً أكثر صفاءً وعمقاً.. قطعاً، هذا المقال لن يحيط بسيرةٍ غنيةٍ امتدت عبر عقودٍ وبلدانٍ وتجارب، لكنها تحيّةُ احترامٍ ومحبةٍ لمثقفٍ ظلّ، أحد الأسماء التي أبقت جذوة الثقافة السودانية متّقدة، وأحد حراسها الأوفياء بهدوءٍ وإصرار، في كل مكان وزمان عاش فيه.. أما شهادتنا في عثمان، فإن الإبداع لا يعرف حدوداً ولا تقاعداً.

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #عثمان_تراث #مجدي_علي #الثقافة_السودانية #نقد #صحافة #السودان #لا_للـ_ح.رب #٢٠٢٦

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.