جلال برجس
شاعر وروائي أردني
في اليوم الذي عاد فيه من الـ ح.رب بلا يدين، طلب من زوجته أن تضع نايه، الذي اعتاد العزف عليه لسنين، على كتف النافذة. قال لها ذلك بكلمات مقتضبة وهادئة. نظرت إليه، وأخذت تفكّر: ما الذي يريده هذا الرجل المثقل بالحزن؟ وما نفع أن يضع ناياً على النافذة؟ وبما أنّه بلا يدين، فلن يطلق ألحانه التي كانت تروقها! مع ذلك نفّذت رغبته، وحافظت على أن يبقى الناي في مكانه، حتى حين تغلق النافذة. لم تكن زوجته تدري أنَّه بقي أشهراً ينتظر أصابع الريح ليكتمل اللحن الذي عكف عليه قبل الـ ح.رب. ولم يكن الرجل يكترث بيديه اللتين خسرهما في انفجار عبوة ناسفة في حـ.رب لا يعرف أحد كيف حدثت، بل كان يتلوّى جرّاء جرح عميق في روحه لا يتوقف عن النزف. كان يحسّ بالدم ساخناً يسيل دون انقطاع، لهذا يحاول باستمرار أن يتوارى عن الأنظار؛ لئلا يراه أحد بهذا العجز عن تضميد جرحه، رغم أنه يدرك أن الدم يسيل في الداخل. حين خذلته الريح ولم يسمع شيئاً، أوصى زوجته أن تضع الناي على قبره حين يموت، دون أن يخبرها بمراده. كان يعرف أنّه يُفكر بطريقة لم يألفها من قبل، وأن زوجته لا تدرك ما يريده، لكنه كان متيقناً أن ما يفكر فيه هو الحقيقة بعينها. بعد انتهاء الـ ح.رب، بات يرى الحقائق من زاوية جديدة، ونظر إلى الوهم من علوّ. تبدّلت مسلّمات كثيرة لديه، وتغيّرت قناعات كانت راسخة، فبكى حين تأمّلها، متسائلاً: هل كان من الضروري أن تقع الـ ح.رب ليشهد الحقيقة؟ في أحد الصباحات، قال لزوجته إنّ في باله رواية يجب أن يكتبها، وبما أنّه بلا يدين، طلب منها أن تنقل إلى الورق ما سيقوله. انصاعت لرغبته، فهي تريد له أن ينجو من غمامة سوداء تغمر روحه التي كانت في أعلى درجات رشاقتها. أخذ يمشي في الغرفة، بينما زوجته تجلس إلى الطاولة، وتكتب ما يقول دون حرف زائد أو ناقص. كان يُملي عليها رواية عن البحر، عن جندي حلم كثيراً، وهو يعزف على نايه. حين بُترت يداه، صار يرى أمنيته في مناماته، فينام كثيراً لعلّه يرى يديه تُجدّفان الماء، بينما جسده ينطلق إلى الأمام بكلّ تلك الخفّة المفتقدة. حين انتهى من كتابة الرواية، أرخى بدنه على الكرسيّ، فسمع صيحات ابتهاج أناس يُلقون أبدانهم في الماء في ظهيرة حارة. وقف إلى النافذة، لكنه لم يرَ سوى عامل التنظيفات يتوكّأ متعباً على عصا مِكنسته، وجارته التي لم ترَ البحر من قبل، وعجوزاً مُقعداً يدفع عربته نحو الظل. عاد إلى الطاولة، فنظر إلى الرواية ووجد الصفحة زرقاء يسيل حبرها. عاد يسمع صوت أناس يُلقون أبدانهم في الماء، وأدرك أن كل ما حوله قد تداخل، وأن الأشياء في مخيّلته تكونت مشهداً هلامياً غير مفهوم. لم يعد يطيق المكوث في البيت، فغادره كل صباح، يقف في منتصف محطة الحافلات، ثم يختار حافلة ويصعد إليها، وينتبه لمكانه في المقعد الخلفي الأيسر قرب النافذة، منشغلاً بالتحديق إلى ما وراء الزجاج، حيث الأشياء تعدو إلى الوراء كأنها تعود بفضول إلى حدث غامض. مع مرور الأيام، عرفته المدن والقرى، عرفه الركّاب وسائقو الحافلات، وعرفته النوافذ، والأشياء التي تعدو بسرعة. صاروا ينادونه (الأكتع)، ولم تزعجه التسمية. في هذا الصباح، لم يأتِ الأكتع، فافتقده كثيرون وسألوا عنه بلا جدوى. مضت الحافلات كلها إلى وجهتها، والمقاعد الخلفية اليسرى فارغة. كل سائق حافلة زعم أنّه رآه في طريقه يعدو مع الأشياء السريعة، حيث كان يحدث شيء غامض. انتشر الخبر، وبات الأكتع حكاية يتناقلها الناس: رجل بلا يدين، ملابسه نظيفة، حليق الذقن، شعره مصفّف بعناية، ورائحة عطره لافتة، يجلس صامتاً قرب نافذة الحافلة، ويكتفي بالتحديق إلى الأشياء وهي تعدو إلى الوراء، دون أن يعلم أنّه حين مات، وُضع نايه على شاهد القبر. في تلك الليلة، جنّت الريح وحطّت حمامة بيضاء على الناي. سمعت النساء لحناً غريباً، ورأين رجلاً يصعد بخفّة درج الهواء. كبرت حكاية الأكتع، وظلت تكبر مع مرور السنين، رغم أنّ الناس لم يعودوا يتحدثون عن الـ ح.رب.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #جلال_برجس #قصة_قصيرة #أدب_عربي #نادي_الأكتع #لا_للـ_ح.رب #السودان #الأردن #٢٠٢٦

Leave a Reply