الصادق محمد عبد الرحيم
بغتةً، اخترقت طبلة أذني طرقاتٌ عنيفةٌ متتابعةٌ على الباب الخارجي. ما أخّرني عن الرد أنّني كنت في المطبخ أعدّ وجبة الإفطار على الغاز. أولادي في الصالون البعيد يتجادلون في أحوال البلد، بعدما انقطع التيار الكهربائي وصمت سميرهم الوحيد؛ التلفزيون. ويزداد عنف الطرقات وتتابعها بطريقة تنبئ أنّ صبر الطارق قد نفد. في الأيام الأخيرة صارت العادة أن أذهب بنفسي لفتح الباب. لا ندري من يكون الطارق في هذه الأوقات العصيبة. لقد اشتعلت نيران الـ ح.رب، وزوجي خارج الخرطوم في سفرٍ يتعلق بعمله. قال سوف يعود، لكن انقطع الاتصال به لانقطاع خدمة الهاتف. نحن نتوقع وصوله في أي وقت. رحل أغلب الجيران بعدما يئسوا من إقناعنا بالنزوح معهم. بقينا هنا لأننا لا نعرف مكاناً نرحل إليه. نحن من سكان الخرطوم بحري القدامى أباً عن جد، لا تربطنا صلة بأسرة خارجها. الغاز أصبح نادراً، والكهرباء تنقطع وتأتي، والمواد الاستهلاكية يرتفع سعرها يوماً بعد يوم. عادة أخرى فرضت نفسها عليّ في الأيام الأخيرة؛ بدافع الحذر، قبل أن أفتح الباب أتلصص أولاً من خلال فتحة صغيرة سرية لأعرف من يكون الطارق. ومن الفتحة السرية صدم نظري أربعة أو خمسة رجال تلتف حول رؤوسهم وأعناقهم عمامات خضر وبيض، ويرتدون أزياء عسكرية قديمة متسخة، كل قطعة من قماش مختلف، ويحملون مدافع رشاشة. أووه، هؤلاء هم جنود الدعم السريع بلا شك. نعرفهم من صورهم في قنوات الأخبار، ونعرف أيضاً قسوتهم غير المحدودة. يريدون حكم البلد؟ لهم ما يشتهون. لا اهتمام لي بالسياسة. فليتصارع الطرفان، وينصّب المنتصر منهما ملكاً من عنده. لا فرق عندي. كل ما يهمني هو أن يتركوني وشأني في بيتي؛ مملكتي الصغيرة. تراجعت للخلف وقرّرت ألا أفتح الباب مهما يكن. تحوّل النقر على الباب إلى ضربات وركلات ورفسات بالأرجل وبمعول حديدي. أصدر الباب أنيناً فلم يرحموه، حتى ترنّح وانهار أمامي محدثاً دوياً هائلاً. تراجعت للخلف لأتفادى أن يؤذي الباب أقدامي، فاصطدم ظهري بأجسام أولادي وبناتي الواقفين خلفي. دخل أربعة منهم الصالون شاهري أسلحتهم، بينما بقي الخامس في مدخل الباب ليمنعنا من الخروج. مسحوا بأعينهم أنحاء الصالون. كانت التليفونات وشواحنها ترقد متكاسلة على المناضد في انتظار عودة التيار الكهربائي، فتلقفوها فوراً. لم نقاومهم، بل لم ننبس ببنت شفة. نظروا إليّ من أعلى لأسفل. كنت أضع على أذني أقراطاً ذهبية، وعلى خنصر يدي اليسرى خاتماً صغيراً. طلبوا مني نزعها فامتثلت بلا أدنى تردد، وسلمتها لأقرب واحد مني. هذه القطع الذهبية مجرد جزء ضئيل من مصوغاتي التي أخفيها في حفرة سرية. لم يبدُ عليهم أنهم اكتفوا بما غنموا. كان لهم مطلب آخر كنت أتوقعه بشدة وأخشاه في الوقت نفسه؛ ابنتي البكر المراهقة الجميلة. منذ دخولهم رأيتهم يرمقونها بنظرات الشهوة ويتبادلون الغمزات فيما بينهم. لحظة دخولهم كانت ترتدي ملابس البيت العادية الضيقة التي تحاكي تقاطيع جسدها الأنثوي وتكشف عن أجزاء منه، لكنها عندما شعرت بحرارة نظراتهم وتوحشها ارتدت عباءة كانت متكرفة بجوارها، والتقطت طرحة غطت بها رأسها. قال أحدهم: “هذه البنت يجب أن تذهب معنا للتحري. نريد أن نعرف من يحرض الناس ضدنا في هذا الحي.” فهمت مقصدهم. يريدون اقتيادها لمعسكرهم، وهناك يتناوبون على اغتصابها. لست أدري كيف وجدت نفسي أنتفخ مثل دجاجة تجرأ أحدهم ولمس صغارها. صحت في وجوههم: “اخرجوا من بيتي فوراً”. ولا أدري كيف أتتني مزيد من الشجاعة، فقد امتدت يدي لتلتقط سكين مطبخ لمحتها فوق طاولة قريبة. لوحت بالسكين في وجوههم وكرّرت تحذيري لهم: “اخرجوا من بيتي فوراً.” تراجعوا للخلف عدة خطوات مثل خراف مذعورة، ثم أشهروا أسلحتهم في وجهي. أحدهم وجّه سلاحه لأعلى وأطلق رصاصات مدوية للتحذير. انحشرت تلك الرصاصات في سقف الصالون وبقيت شاهداً على الأحداث. فجأة توقف الصراع. جذب انتباهنا صوت طائرات تقترب. ما لبث أن دوّت أصوات انفجارات مثل الزلازل. من شدّة وعنف تلك الصواعق أدركنا أنها سقطت في مبنى قريب منا. هرب الخمسة مثل الفئران وتركونا. خرجت لأستطلع الأمر. رأيت منزل جيراننا قد تحطم، والنيران تشتعل فيه، وتيار الهواء جعل ألسنة النيران تمتد لمطبخ بيتنا. لا يمكننا إطفاء الحريق وحدنا، فات الأوان. ويا لهول ما سوف يحدث؛ أنبوبة الغاز تركتها مفتوحة وعلى الفرن حلة الطبخ. بعد دقائق قليلة سوف تنفجر الأنبوبة لا محالة، وتدمّر معها البيت كله. لقد أصبحنا فوق سطح بركان. تدخلت العناية الإلهية لإنقاذنا من نيران المتمردين، فوجدنا أنفسنا وسط نيران جيش الحكومة. بصوت متخم بالرعب صرخت في أولادي أن يغادروا البيت بأسرع ما يمكن. خرجنا كلنا وقد تماسكت أيدينا مع بعض. جرينا للشارع الرئيس المؤدي لخارج الخرطوم بحري. وجدنا من بقي من سكان الحي هاربين مثلنا. كانت الطائرات تقذف بحممها فوق البيوت، وصار الشارع الرئيس نهراً يفيض بالناس، وصارت الشوارع الجانبية روافد تمدّه بالمزيد.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #الصادق_محمد_عبد_الرحيم #قصة_قصيرة #أدب_سوداني #الخرطوم_بحري #لا_للـ_ح.رب #السودان #٢٠٢٦

Leave a Reply