مع سبق الإصرار

صحيفة الهدف

 د. أشرف مبارك

كان لا بد لي من إزالة آثار الجريمة. لم يكن الأمر يحتمل التراخي أو التهاون أو النسيان، فالهفوات الصغيرة هي التي تُسقط الرجال في هذا العمر، لا الكبائر. انسحبتُ بهدوء من الديوان، متذرعاً بحاجةٍ لا تحتاج تفسيراً، وسرتُ بخطوات حذرة نحو حوض الغسيل في الفناء الخلفي. كان الضوء خافتاً، والقمر متردّداً خلف غيمٍ رقيق، كأنه شريك متواطئ.

فتحت الصنبور. انهمر الماء بارداً، فارتعشت يداي.. لا من البرد، بل من الذنب. غسلتُهما مرة، ثم مرة أخرى، ثم ثالثة، وأنا أدعكهما بعنفٍ لا يليق بيدين تجاوزتا السبعين. الليفة، الصابون، الماء.. كلها أدوات محو، لا تنظيف. رفعتُ يدي إلى أنفي. لا رائحة.. الحمد لله. لكن الخوف لا يُشم، بل يسكن. كنت أتلفت يمنةً ويسرى. العين التي لا تراقبك الآن قد تتذكرك لاحقاً. فعلتُ ذلك عمداً. ومع سبق الإصرار. لم يكن الجوع هو الدافع الحقيقي، بل تلك الرغبة العنيدة، والإصرار على أن أقول: ما زلت أنا من يقرّر.

لكنها كانت هناك، تقبع في المنتصف، والفوضى وأرز متشتّت حولها، مغرية، تفوح بما يسيل لها اللعاب، تتنفّس رائحة الماضي، رائحة أيام كان كل شيء فيها بلا حساب، بلا مرض، وبلا خوف. عروس تنام هادئة وسط هذه الفوضى. هجمت عليها وظللت أشدها من هنا ومن هناك حتى قضيت عليها تماماً، وخرجت وأنا أتلفت خوفاً.

كان لا بد أن أتأكد أنني قد أزلت كل آثار الجريمة. مددت يدي.. وتوقفت لحظة. ثم مددتها مرة أخرى. لم يكن أحد ينظر. تفقدتُ جلبابي بعناية. يا له من قلقٍ مضحك! تأكدتُ أن ما به من أذى قد زال. عدتُ إلى المجلس. كان مفعماً بالحياة: ضحك، نكات، حديث عن الغلاء، عن الأبناء، عن الزمن الذي لا يعود. جلستُ بينهم وأنا أحمل سري الثقيل. لا أحد يعلم. ولا أحد يشك. أقدمت الليلة على فعل أفلت من الرقابة.

جاء ابن ابنتي، وجهه يلمع بالبراءة: جدي.. أمي تنتظرك في الخارج. نهضتُ. صافحت الجميع ودعتهم بابتسامةٍ متعبة. في الخارج قالت ابنتي: فلنذهب يا أبي، تأخر الوقت. موعد دوائك، وغداً مقابلة الطبيب والفحص المخبري. قلت: حسنًا يا ابنتي. كانت تنظر إليّ بهدوءٍ مريب. هدوء من يعرف. ثم قالت: أعلم يا أبي أنك فعلت ذلك. توقفتُ. انقبض صدري. انكشف الأمر: ماذا فعلت؟ ابتسمت ابتسامة العارف الرحيم: أكلتَ اللحم والدسم.. وقد منعك الطبيب. وغداً سنراه.

آه.. انكشفت جريمتي.

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #إبداع #د_أشرف_مبارك #قصة_قصيرة #السودان #٢٠٢٦

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.