تقرير: عبد المنعم مختار
كثيراً ما تتحول التجارب السياسية القاسية في المجتمعات العربية إلى مادة سردية كبرى، حيث يجد الألم الجماعي طريقه إلى الرواية بوصفها ذاكرة موازية للتاريخ الرسمي، وأكثر قدرة على تفكيك التحولات العميقة التي تعجز اللغة السياسية عن احتوائها. وإذا كانت التجربة السياسية العربية قد أفرزت سرديات روائية كبرى تجاوزت حدود الجغرافيا، كما فعل عبد الرحمن منيف في مدن الملح وهو يؤرخ لصدمة السلطة والنفط، وكما جسّد نجيب محفوظ تحولات المجتمع المصري عبر ثلاثيته (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وكما اشتغل واسيني الأعرج في رواياته مثل ذاكرة الماء وسيدة المقام وكتاب الأمير على جراح الذاكرة الجزائرية وأسئلة العنف والهوية والسلطة، فإن السؤال الذي يطرحه ملف الهدف الثقافي في هذا الاستطلاع هو: لماذا لم تتحول التجربة السودانية، بما تنطوي عليه من حـ.روب طويلة، وانقسامات، وأسئلة هوية معقّدة، إلى مشروع روائي عربي واسع الحضور وقادر على تمثيل هذا الألم الإنساني العميق سردياً؟ فيما يلي، ننقل مشاركات المستطلعين:

د. أحمد الليثي القاص والمثقف العضوي يقول: ليس غياب “الرواية السودانية الكبرى” دليلاً على فقر التجربة، ولا على عجز الخيال، بل هو علامة على اختلالٍ أعمق في شروط تحويل الألم إلى سرد، والحدث إلى ذاكرة، والدم إلى معنى. فالتجربة السودانية، بما انطوت عليه من حـ.روب طويلة، وانقسامات بنيوية، وأسئلة هوية معلّقة، هي من أكثر التجارب العربية كثافةً من حيث المادة الإنسانية، لكنها من أقلها تحوّلاً إلى مشروع روائي عربي واسع الحضور. التجارب التي أنجبت سرديات عربية كبرى لم تكن أكثر مأساوية، لكنها امتلكت شروطاً سردية مغايرة. كتب عبد الرحمن منيف مدن الملح من موقع المنفى، لكن عن بنية دولة نفطية متماسكة، يمكن تفكيكها روائياً. واشتغل نجيب محفوظ على تحولات المجتمع المصري من داخل دولة مركزية مستقرة، تسمح بتتبّع الزمن والشخصيات. أما واسيني الأعرج فقد كتب جراح الجزائر ضمن مشروع ثقافي واعٍ بإنتاج الذاكرة، لا الاكتفاء بالشهادة. في السودان، لم تكن المشكلة في غياب الحدث، بل في غياب “الدولة” بوصفها كياناً سردياً يمكن معارضته أو تفكيكه. الدولة تتفكك قبل أن تُروى، وتنهار قبل أن تتحوّل إلى تاريخ. وحين يغيب المركز، يصعب بناء شخصيات مركزية، أو مسار زمني خطّي، أو مدينةٍ تصلح لأن تكون مسرحاً جامعاً للسرد. كل شيء متشظٍّ: الهوية، الجغرافيا، الذاكرة، وحتى اللغة. ثمّة عامل لا يقل أهمية: هيمنة الشهادة على التخييـل. في السودان، طغت المقالة السياسية، والبيان الأخلاقي، والمرثية، والنص الاحتجاجي—وهي أشكال ضرورية أخلاقياً، لكنها تُبقي الكاتب في موقع الاستجابة لا التركيب. الرواية، على العكس، تحتاج مسافة جمالية عن الواقع، وقدرةً على إعادة ترتيب الألم لا مجرد الصراخ به. وهذه المسافة عسيرة حين يكون الكاتب داخل العاصفة، لا بعدها. تضاف إلى ذلك هشاشة البنية الثقافية الحاضنة: ضعف النشر، غياب النقد المؤثر، ندرة الترجمة، وانعدام الدعم طويل النفس للمشاريع الروائية الكبرى. فالرواية ليست فعل عبقرية فردية فحسب، بل نتاج بيئة تسمح للنص أن ينمو، ويُراجع، ويُقرأ، ويُعاد اكتشافه. ويبقى السؤال الأخلاقي الثقيل حاضراً: هل يحق تحويل هذا الكم من الدم إلى مادة فنية؟ كثيرون توقّفوا عند هذا الحد، أو آثروا الصمت، أو اختاروا النثر الأخلاقي على التخييلي، خوفاً من “تجميل” المأساة أو المتاجرة بها. الخلاصة أن الرواية السودانية لم تغب لأنها أقل ألماً، بل لأنها كُتبت—ولا تزال تُكتب—في زمن الجرح لا في زمن الندبة؛ داخل الكارثة لا بعدها. الروايات الكبرى تُكتب حين يتوقّف النزيف، ويبدأ السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟ وحين يبلغ السودان تلك اللحظة—لحظة المسافة والتأمل—قد لا يقدّم “رواية عن الـ ح.رب”، بل رواية عن الإنسان وهو يُعاد تشكيله تحت الركام.

أما الأستاذ أزهري الحاج دفع الله الإعلامي والشاعر ويستطرد قائلاً: بصدد مقاربة موضوع الاستطلاع الذي أطلقه الملف الثقافي، أقول حول أسباب ضعف الاستجابة الإبداعية لمتغيرات الواقع المأساوي: لقد لعبت عوامل عديدة سياسية واقتصادية وثقافية أدواراً سلبية مثبطة منعت الإبداع السوداني من التفاعل اللازم مع أحداث الوطن المليئة بالكوارث والأحزان والمآسي والدماء، وتحويل هذه الأحداث العميقة إلى مادة إبداعية توثق لهذه الأحداث وتسلط الضوء عليها خصوصاً في مجال الرواية التي هي بطبيعتها الجنس الأدبي القادر على التوثيق والتحليل. ومن الأسباب العديدة المثبطة، نذكر ما يلي: – ضيق فرص النشر في السودان وانعدامها خصوصاً بالنسبة للروائيين الجدد. – التضييق على المبدعين الذين يتخذون مواقف مغايرة للموقف الرسمي. – حالة الإحباط العام التي تصيب المبدعين جراء الضغوط المعيشية. – الإهمال البائن وعدم التقدير من المؤسسات الرسمية المسؤولة عن الثقافة والإبداع. – وعلى المستوى الاجتماعي لا يجد المبدعون ما يشجعهم على مواصلة ارتياد مشاق الإبداع. ورغم ذلك، فقد أنجز الكثير من الروائيين العديد من الروايات التي تناقش وتحلل واقع الكوارث التي تكالبت على مجتمعاتنا السودانية، لكن إعلامنا الضعيف لم يعطِ أعمالهم حقها من الذيوع والانتشار، نذكر من هؤلاء المبدعين: – إبراهيم إسحق (1946–2021) – عبد العزيز بركة ساكن – صالح جبريل – ريم عثمان – نائلة فزع وغيرهم.

القاص والشاعر أبو بكر الحنيد المغربي في البداية، نحتاج إلى تقسيم التجربة السياسية في السودان عموماً، إلى مستويات عملية، في واقع الحال، مصطحبين تقاطع السياسة مع المجتمع والثقافة والأدب، فهناك السياسة على مستوى الدولة، وهناك السياسة على مستوى التنظيمات والأحزاب، وهناك السياسة المصغرة على مستوى الجامعات، وهناك الأثر السياسي العام على الاقتصاد والمعيشة. ومن هنا، نجد أن روايات مثل بعض هذا القرنفل، والمأنوس، وكاريزما، وعطر نسائي، قد خاضت بصورة ما، في تفاصيل الحياة السياسية وتماسِّها مع غيرها من الحيوات. وحالياً أفرزت الـ ح.رب روايات جديدة تناولت تفاصيلها وتفاصيل النزوح والتشرد في البلاد، كرواية بنات الـ ح.رب، وقد سبقت كل ذلك رواية أرواح الشرتاي الـ٧ في سرد ما حدث ويحدث من فظائع حـ.رب دارفور منذ بدايتها. إذن، لم تغب الرواية عن تصوير أحد تفاصيل المشهد السياسي المضطرب في السودان، وإن لم ترقَ إلى عمل تكون ثيمته الأساسية هي قمة ما يحدث في ساحة الوطن.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #عبدالمنعم_مختار #أحمد_الليثي #أزهري_الحاج #أبوبكر_الحنيد #الرواية_السودانية #نقد_أدبي #السودان #لا_للـ_ح.رب #٢٠٢٦

Leave a Reply