د.توتا صلاح
رغم ما يحمله السودان من تاريخ مثقل بالـ ح.روب، والانقلابات، والاستعمار، والانقسامات العميقة، ظلّ حضوره في الرواية العربية حضوراً هامشياً، لا يوازي عمق مأساته ولا تعقيد تجربته. السؤال هنا ليس: لماذا لم تُكتب روايات سودانية؟ بل: لماذا لم تتحوّل التجربة السودانية إلى سردية مركزية في المخيال العربي، كما حدث مع مصر أو الجزائر أو الخليج؟ فمن حيث الكثافة المأساوية، لا تقلّ التجربة السودانية عمقاً عن أي تجربة عربية أخرى، فقد تعرّض السودان لاستعمار طويل، وحـ.روب أهلية ممتدة، وصراعات إثنية وثقافية ودينية، وانقسام دائم بين المركز والهامش. ومع ذلك، بقي هذا الألم خارج “الذاكرة السردية العربية المشتركة”. السبب لا يكمن في ضعف التجربة، بل في تعقيدها. فالروايات الكبرى غالباً ما تنطلق من سؤال مركزي واضح: في مصر كان سؤال الدولة والطبقة، وفي الجزائر الاستعمار والعنف والذاكرة، وفي الخليج صدمة النفط والسلطة. أما في السودان، فقد ظلّ سؤاله مفتوحاً ومؤجلاً: هل هو عربي أم إفريقي؟ إسلامي أم تعدّدي؟ مركز أم هوامش متعددة؟ هذا التشظّي الهويّاتي جعل تحويل التجربة إلى (رواية جامعة) أمراً بالغ الصعوبة. فالرواية تحتاج حداً أدنى من الاستقرار الهويّاتي كي تبني سرديتها، حتى لو كانت سردية نقدية أو تفكيكية. وفي السودان لم تتكوّن بعد سردية وطنية مستقرة يمكن للرواية أن تشتغل عليها أو تهدمها. ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، هو استمرارية الكارثة. فالروايات الكبرى لا تُكتب لحظة الجرح، بل بعده، حين يتحوّل الألم إلى ذاكرة. في السودان، لم تتوقّف الـ ح.روب والانقلابات بما يكفي لتصبح ماضياً قابلاً للتأمل الجمالي؛ فالواقع يفرض كتابة إسعافية، شهادية، أقرب إلى التوثيق منها إلى البناء الروائي طويل النفس. كما يواجه الكاتب السوداني قمعاً مركّباً: سياسياً وثقافياً ومعيشياً. فإما كاتب في الداخل منهك بالـ ح.رب والرقابة وضغط الحياة اليومية، أو كاتب في المنفى منقطع جزئياً عن نبض التحوّلات الجارية. هذه القطيعة بين الداخل والخارج أضعفت تشكّل مشروع سردي متراكم قادر على الاشتباك العميق مع التاريخ. ولا يمكن أيضاً تجاهل غياب البنية الثقافية الحاضنة. فالروايات العربية التي تحوّلت إلى ذاكرة جماعية كُتبت غالباً من داخل مراكز ثقافية قوية مثل القاهرة وبيروت ودمشق. والسودان، رغم عمقه الحضاري، ظلّ على هامش هذا المركز، مع ضعف واضح في مؤسسات النشر والترجمة والنقد، القادرة على تقديم الرواية السودانية للقارئ العربي بوصفها تجربة مركزية لا هامشية. حتى اللغة لعبت دوراً إشكالياً. فالكتابة السودانية تعيش توتراً خاصاً بين العربية الفصحى، والعامية السودانية، وحضور لغات وثقافات غير عربية. هذا التعدد اللغوي، رغم غناه، خلق ارتباكاً في الصوت السردي، وجعل اندماج النص في السوق الرمزية العربية أكثر صعوبة. ومع ذلك، لم يكن السودان بلا رواية. فالطيب صالح قدّم واحدة من أعظم روايات ما بعد الاستعمار عربياً (موسم الهجرة إلى الشمال)، لكن الرواية قُرئت غالباً بوصفها نصاً عن العلاقة مع الغرب، لا مدخلاً لفهم المأساة السودانية المركّبة. كما ظهرت أصوات روائية مهمة مثل عبد العزيز بركة ساكن، وأمير تاج السر، وحمور زيادة، غير أن أعمالهم لم تُقرأ ضمن مشروع سردي جامع، أو كملحمة سودانية كبرى. المشكلة، إذن، ليست غياب الرواية السودانية، بل غياب الاعتراف العربي بها بوصفها مأساة تستحق سرداً كبيراً. وربما تكون اللحظة الراهنة، بكل قسوتها، لحظة مفصلية. فحين يصبح الصمت مستحيلاً، وحين ينفجر الألم في الوعي العربي، قد يولد أخيراً المشروع الروائي السوداني المؤجَّل، ليس بوصفه إضافة إلى الرواية العربية، بل بوصفه تجربة قد تعيد تعريفها.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #د_توتا_صلاح #نقد #أدب_سوداني #الرواية_العربية #السودان #لا_للـ_ح.رب #٢٠٢٦

Leave a Reply