زينب السيد
لأننا أدباء، فلنأخذ الحقائق مأخذ الجد، ونحتمي بالعلم والمعرفة. الأدب كلمة وحقيقة وذاكرة تحتوينا من تعرجات الطريق وتقلبات الأحداث وتجردنا من التبعية. لنخوض غمار التجربة بتجرّد وعزيمة، ولأننا صوت جهراً لغيرنا، فلنكتب، لنشفى، ولنكتشف. بعد بضعة أيام سأقتني قبّعة واسيني، وقرطاساً وقلمًا لا ينفد حبره لأكون في كامل زينتي تحسّباً للقاء غرامي قد تولده الصدفة في مهرجانات الأدب وكرنفالات الكلمة، ولقاء عازفة البيكادلي في ليالي أزيزكوبيا، ونرقص مع أبطال الروايات الذين سيحرّرون التاريخ من قيود النص والجدران.. أترابي من الفتيان ممن يقرأون الأدب ينتحلون صفات شخوص الروايات وينادون بعضهم بأسماء الأبطال، ويتغازلون ويتنابذون ويتحاورون باقتباسات النصوص والجمل. صديقتي المتطلعة تسمي نفسها (جودي آبوت)، وأخرى يناديها الرفاق بـ(جمان)، وزميلي القادم من شمال السودان يدعونه رفاقي بـ(مصطفى سعيد). أنا الوحيدة بينهم لم أحظَ بلقب غير اسمي. لما التقيتُ بواسيني لم أجد في سجلات الأدب لقباً يليق بي غير اسمي، فقلت له: “أنا زينب من السودان”. زرت المعرض الماضي لألتقيك لكنك لم تأتِ، قال لي: “أنتِ تُزارين يا زينب..” صافحني وابتسم، هدأت ضربات قلبي من قلق اللقاء الأول، وأحاطني باهتمامه والحسناوات اللواتي يلتفن حوله وددن لو كان اسمهنّ زينب. استفسرت عن سؤالي: هل يستطيع الأدب أن يحرّر التاريخ من قيود النص والجدران؟ فأجابني: “الأدب لا يعيد كتابة التاريخ، وإنما يخلخل ثوابته ويجبره على إعادة صياغة نصه”. جوابه أثار إعجابي وفضولي لطرح المزيد من الأسئلة. توجّهنا نحو مداخل الخروج، مشينا على السجادة الحمراء بخطوات منسجمة، تتراقص حولنا الأضواء ورائحة الكتب تعتّق المكان بعبق سحري، وصرير الأقلام على الأوراق كمعزوفة اللقاء الخالد. والحسناوات يضحكن ويثرثرن بصوت خافض، ويتمايلن برقة ودلال ويتبعننا كموكب عرس كوشي. بإمكان النص الأدبي أن ينمو في الظروف القاحلة، ولا شيء يستطيع منع تسرّب الوعي منه. وبإمكانه تسلّق أضخم الأسوار حصانةً وتجاوز حدود الزمان والمكان. من الأدب تقتبس الثورات فعلها، وتؤخذ من أقباسه الأنسنة وسجايا الحكم والعلم والمعرفة. في دفتر كل كاتب نص لم يكتمل، وكل نص ينقصه سطر ما، لذلك تحلق الكلمات بلا أجنحة بحثاً عن بعضها المفقود. كل كاتب قارئ، والقارئ عندما تستهويه الفكرة إما أن يسرق الكتاب أو الكتاب يسرقه. التاريخ شاهد، والسوابق القضائية لا تخلو من جريمة نص أو سرقة بالبيّنة أو بحجة الإعارة أو التناص. وفي الليلة الثانية بعد الألف، اعترف صُ ف ليلة وليلة وقال: “من سرق كتاباً أصيب بلعنته”. واتفق الجميع بأن الأدب كطائر الفينيق، كلما أُحرق اختلق من رماده أجنحة، نهض وانتفض وحلق مرة أخرى. والواقع بتعقيداته وقدرته المحدودة لا يجيد محاكاة الأدب إلا في بعض السيناريوهات التمثيلية المأخوذة من هوامش النصوص التي تعبر عن ضحالة الفهم وعمق الصراع بين النص والمعنى وبين القصد والرؤية. وبعض الوقائع التي تحوّرت إلى أدب تسمى “حقيقة”، والأدب الذي تحول إلى واقع يسمى “نبوءة”. ذاكرة الأدب مكتظّة بالكثير من النماذج من العوالم والمدن والبحار والجزر والوديان، بنيت في نصوص يعرفها القارئ جيداً ويعرف طرقاتها وممراتها السرية ويعرف ساكنيها. “بدأ الوقت يضيق بنا، وكل شيء ينذر للرحيل، ضيّقة هي الدنيا، ضيّقة مراكبنا، للبحر وحده سنقول: كم كنا غرباء في أعراس المدينة”. وحده الأدب وقر الحب وأنصفه. كل العلوم الإنسانية تنحت عندما عجزت عن فهم واحتواء قضية الحب فتبناها الأدب. الأديب الذي عشق زينب وهام بها يوقر من أجلها كل الزينبات، ويتمنى لو كل نساء الأرض زينب. فممن تغار زينب التي عشقت كاتباً؟ من الحسناوات اللواتي يلتفن حوله، أم من الأخريات اللواتي يختلقهن من حبر مخياله؟ في طوق الياسمين كانت مريم تنام في خدر حبيبها عارية ولم يمسسها سوء. تركته وتزوجت بغيره، فلم يخنها الراوي ولا القراء ولا النقّاد، لأن وصف المرأة بما يسيء سلوك غير أدبي، وإنما شأن المجتمع. (غُرة الدهماء – سيرة الجزء من التجربة)
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #زينب_السيد #واسيني_الأعرج #أدب #نقد #السودان #إبداع_سوداني #٢٠٢٦

Leave a Reply