يوسف الغوث
تختلف قوّة ارتباط العادات والتقاليد الاجتماعية بالثقافة بحسب حالة الانغلاق أو الانفتاح التي تعيشها المجتمعات، مع مراعاة أن المجتمعات الريفية تكون أكثر قدرةً على المحافظة على تقاليدها وعاداتها الاجتماعية مقارنةً بالمجتمعات الحضرية. ويجري التعامل مع العادات والتقاليد بوصفها ضامناً اجتماعياً يعمل على ربط الأفراد عبر المناسبات التي تفرض بروتوكولات سلوكية تُسهم في توحيد المجتمع. وتُعدّ العادات وسيلةً تُنقَل عبرها كثيرٌ من قيم الحق والفضيلة إلى الأجيال الناشئة، كما تلعب العادات والتقاليد دوراً جوهرياً في تشكيل الوجدان القومي والوطني، فهي التي تمنح الشعور بالانتماء، وتعزّز ارتباط الفرد بأسرته ومجتمعه، وتؤثّر بشكل كبير في تكوين المبادئ الأساسية وقيم المسؤولية والاحترام والتسامح داخل المجتمع الواحد. ونحن في آخر أيام شعبان، لا بدّ لنا أن نتحدّث عن عادة (خمّ الرماد)، تلك العادة التي تحلّ علينا قبل دخول شهر رمضان المعظّم. تُعدّ عادة خمّ الرماد عادةً مستحدثة نسبياً، إذ ظهرت قبل سبعينيات القرن المنصرم. فقد كانت الجدّات يجتمعن لأسابيع قبل حلول شهر رمضان المعظّم بغرض عواسة الإبري، ولا يتم كنس رماد الحطب إلا قبل حلول الشهر بيوم واحد، باعتبار أن كنس الرماد، أو (خمّه)، يعني الانتهاء من التجهيزات الشاقّة الخاصة بالاستعداد لاستقبال شهر رمضان. وعادةً ما تصاحب عملية كنس الرماد إقامة وجبة غداء أو إفطار جماعي، تتخلّلها جلسات غناء مصحوبة بحالة فرائحية، كتعبير تكافلي يعكس في جوهره روح العمل الجماعي أو (النفير) بين نسوة الحي. وتطوّرت هذه العادة لتشمل التقاء الأصدقاء والمعارف على وليمة استثنائية كبيرة، يتناول فيها المدعوون ما يُقدَّم لهم من أطعمة في أجواء احتفالية. غير أن بعض الأشخاص غيّروا المفهوم الحقيقي لعادة خمّ الرماد، وربطوها ببعض الممارسات غير المحمودة، مثل الانغماس في الملذّات والأفعال المنكرة وارتكاب المعاصي قبل حلول شهر رمضان. ختاماً، إن ترجمة القيم المعنوية النبيلة إلى سلوكيات ملموسة تعمل على تعزيز الهوية الثقافية والذاكرة الحيّة للمجتمعات حالةٌ صحية وضرورية، تُسهم في الارتقاء بالحس القومي والوطني، وتساعد على بناء مجتمعات أكثر تماسكاً وانسجاماً ووعياً. فالعادات تُعدّ بمثابة خزانٍ للهوية الثقافية، وهي الوعاء الذي يعمل على حفظ خصوصية المجتمعات أمام هجمات العولمة. رمضان كريم.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #يوسف_الغوث #التراث_السوداني #رمضان_يجمعنا #٢٠٢٦

Leave a Reply