حفّار الضوء

صحيفة الهدف

د.مصطفى العميري

في آخر العتمة،
حفّارٌ ينكّسُ رأسه،
يستخرجُ من الترابِ عظامًا ما زالت دافئة،
ويزرعُ في كلِّ حفرةٍ
سؤالًا لا يجرؤ على النطق.
السماءُ لا تبكي،
الغيومُ تخفي وجوهها،
والأرواحُ، تلك الومضاتُ المرتبكة،
تلمعُ كما تلمعُ المرايا قبل أن تنكسر.
تحت أقدامٍ معدنية،
تتلوّى الأرضُ كجلدِ أفعى عجوز،
ترتجفُ من وطءِ ارتالٍ لا تعرف أين تمضي.
عرباتٌ مغلقة،
تحملُ أجسادًا نائمة بعيونٍ مفتوحة،
جنودٌ بوجوهٍ تأكلها الريح،
يحملون في صدورهم
وصايا لم تُكتب بعد،
كلماتٌ تتآكلها الرطوبة قبل أن تُنطق.
في الزاوية المنسية من الليل،
تتكومُ الروائح:
دمٌ بلا قصة،
خوفٌ بلا ظل،
عرقٌ يحاول أن يتذكّر اسمه.
الرصاص.. لا يصدر صوتًا هنا،
هو فكرةٌ فقط،
تنمو في لُبِّ العصب،
كزهرةٍ سوداء في حقلٍ من الضجيج.
العاشقةُ هناك،
تحصي ما تبقّى من نبضٍ على حافة المخدة،
تخطئ بين نبضةٍ ورصاصة،
تكتبُ بالدمعِ رسالةً لن تصل،
وترشُّ على الذاكرةِ عطراً قديماً
كأنها توقظُ الجثث.
الولدُ الغريب..
خبّأ أحلامه في صندوقٍ أحمر،
نسي كيف تُطوى الخريطة،
وكيف يُربط القلبُ حين يُكسر.
هو لا ينتظر أحدًا،
فقط يفتح كفّه للسماء،
ويخاف أن يهطل المطر.
لا أحد يعرفُ من ضغط الزناد،
اليدُ كانت هناك، نعم،
لكنّها لا تشبه يدًا،
ليست لحمًا،
ليست ظلًّا،
أقربُ إلى صدفةٍ فارغة،
تصفّقُ على إيقاعِ العبث.
في هذه الحرب،
لا بداية،
ولا جثةٌ تصلُ متأخرة.
فقط حفّارٌ يحفر،
وأضواءٌ تُطفأ،
وقلبٌ ما، في مكانٍ ما،
يحاول أن يتذكّر
لماذا توقف.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.