الجيل الجينزي (Generation Z).. حين نُربّي أبناءنا في زمن لا يشبه طفولتنا

صحيفة الهدف

 د. حنان الهادي

يُطلق مصطلح الجيل الجينزي (Generation Z) على الأبناء الذين وُلدوا تقريباً بين عامي 1997 و2012، أي الجيل الذي جاء بعد جيل الألفية. سُمّي بهذا الاسم ببساطة لأنه اتبع حرفياً ترتيب الحروف بعد جيل (Y)، لكن ما يميّزه ليس التسمية، بل السياق الذي نشأ فيه: عالم مفتوح على الشاشات، سريع الإيقاع، متداخل الثقافات، ومتعدد الخيارات. هذا الجيل لم يتعلّم التكنولوجيا لاحقاً، بل وُلد داخلها. تشكّل وعيه الأول على إيقاع الإنترنت، وتنوّعت مصادر معرفته قبل أن تتشكّل لديه صورة واحدة ثابتة عن النجاح أو الهوية. لذلك لا يرى التناقض الذي نراه نحن بين المسارات، ولا يفهم الحياة باعتبارها طريقاً واحداً مستقيماً يبدأ بالدراسة وينتهي بالوظيفة، وما عدا ذلك يُعدّ خروجاً عن النص. بهذا الفهم، يصبح من الأسهل قراءة بعض المشاهد التي تثير دهشتنا اليوم. أثناء تصفّحي لوسائل التواصل الاجتماعي، وبين متابعتي لأصدقاء اخترتهم بعناية، استوقفني منشور لأحد الآباء يعبّر فيه عن فخره بابنه الطبيب، أحد أبناء هذا الجيل. لم يكن الفخر مرتبطاً فقط بتفوّقه الأكاديمي أو تخرّجه من كلية مرموقة، بل بمشهد آخر: الابن نفسه يقف على المسرح، يمسك الميكروفون، ويؤدي أغنية بأسلوب الراب بثقة وحضور لافتين. اللافت لم يكن الأداء، بل ردود الأفعال: دهشة، استغراب، تعليقات متحفّظة وأخرى ناقدة. أسئلة غير معلنة لكنها واضحة بين السطور: هل يجوز أن يكون الطبيب مغنّي راب؟ وهل يليق التفوق الأكاديمي بهذا النوع من التعبير الفني؟ ولماذا بدا المشهد لدى البعض كأنه كسر لقالب النجاح المألوف؟ هذه الحالة ليست استثناءً، بل نراها في نماذج متكررة: ابن متفوّق دراسياً، بارّ بوالديه، ملتزم بمساره الأكاديمي، وفي الوقت ذاته موسيقي، أو رسّام جداريات، أو مغنٍ، أو صاحب شغف إبداعي واضح. يمتلك ذكاءات متعددة: عقلية، وعاطفية، واجتماعية، ويؤدي أدواره المختلفة دون أن يرى بينها تناقضاً. الجيل الجينزي لا يقسّم نفسه إلى خانة واحدة. لا يرى أن النجاح الأكاديمي يلغي الحاجة إلى التعبير، ولا أن الطاعة تعني إلغاء الذات. هو جيل يضيف إلى هويته بدل أن يستبدلها، ويوسّع تعريف النجاح بدل أن يضيّقه. ربما تكمن دهشتنا نحن في أننا ما زلنا نحمل صورة قديمة للنجاح، صورة تشكّلت في زمن مختلف بفرص أقل وخيارات أضيق. أما هم، فيكبرون في عالم يسمح لهم بأن يكونوا أكثر من شيء في الوقت نفسه، دون شعور بالذنب أو الحاجة إلى التبرير. السؤال هنا لا ينبغي أن يكون: لماذا يفعلون ذلك؟ بل: لماذا يربكنا هذا التعدّد؟ في التربية، اعتدنا أن نوجّه أبناءنا نحو “المسار الصحيح”، لكن هذا المسار لم يعد واحداً. دورنا اليوم ليس رسم الطريق بالكامل، بل توفير البوصلة: القيم، والانضباط، والمسؤولية، وترك المساحة الكافية ليكتشفوا ذواتهم داخلها. نحن نربّي أبناءنا بذاكرة مكان، وهم يكبرون في زمن مختلف تماماً. والفجوة بين الذاكرتين لا تُردم بالخوف أو الرفض، بل بالفهم والحوار وإعادة النظر في تعريفاتنا نحن قبل أن نطالبهم بالامتثال لها. فربما لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا يحدد أبناؤنا أن يكونوا؟ بل: هل نحن مستعدون لأن نوسّع تصوّرنا عمّا يمكن أن يكونوا؟

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #د_حنان_الهادي #جيل_زد #التربية_الحديثة #السودان #٢٠٢٦

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.