هاني حلفا
رفعنا أسلحتنا البدائية في وجه الفيضان الأكبر الذي اجتاحنا، وتمكّن منا عندما سقطت دروعنا. هدم أطياننا، واحتل بيوتنا، وحصد مزارعنا، وأباد بهائمنا، ولما فشل في كسر كبريائنا، قام بنفينا خارج القرية. كان بعضنا قد سبقنا إلى شريط اليابسة الضيق المحاذي للطريق المسفلت، وتوسّدنا الحصى المرصوف على طول الطريق. سألتني أختي ببراءة: “لماذا لا تتوقف السيارات لتساعدنا؟”.. غلّفتُ سؤالها بالضوضاء وبلعته دون ماء: “ماذا؟ لا أسمعكِ”. لا تتوقف الفارهات، ولو لإلقاء السلام. عندما ترانا من بعيد تزمجر محركاتها هلعاً وتسابق الهروب، كأن بنا جذاماً، غير أن أصوات إطاراتها، مشكورة، تكفلت بإفزاع الثعابين. شربنا ماء السماء، تعشينا كلاماً حافاً، ونمنا على قصص الضفادع وشخير مذياع. أيقظتنا شمسٌ أخرى. أخيراً توقّفت سيارة، ترجّل منها المندوب، وأخبرنا بكل شفافية أن أحدهم سرق كاميرا التلفزيون، ستتأجل زيارة المسؤول للأسبوع القادم، وسيحضر معه مؤونة شهر من أدوية الكوليرا والملاريا والاعتذارات. تباهى جاري بجواز سفره الجاف، فتواريت عن الأنظار، وسبحتُ عائداً إلى أنقاض قريتي. تتبعت رائحة الحبر المنساب من قصائدي، صادفت في طريقي ضرع ماعز، ومنجل قمح، وضحكة جار، وفصول المدرسة في طابور الصباح تنشد لطوب الأرض: (هذه الأرض لنا). لمحت، فيما لمحت، مسودة روايتي الأولى تطفو فارغةً من الكلمات. غصتُ في النهر داخل حدود ما كان يسمى بيتنا، اصطدمت مراراً بذكرياتي القادمة، أبحثُ عن شقاء سنوات طوال، عن شنطة الحديد، حتى وجدتها؛ كانت تحتضر، شهقت بقوة عندما سحبتها إلى السطح. لما مدّ الأخضر (الدولار) رأسه الأصلع سليماً، ارتميتُ في حضنه، ثمن تذكرة السمبك.
من مجموعتي: (سلك شائك)، دار المصورات للنشر
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #هاني_حلفا #سلك_شائك #قصة_قصيرة #إبداع_سوداني #أدب #السودان #٢٠٢٦

Leave a Reply