*آدم رجال
في دارفور، لا يُقاس الوقت بالساعات أو الأيام، بل بالقدرة على البقاء من يوم لآخر. الليل ليس مجرد غياب الشمس، بل هو اختبار جديد للروح. عندما يحلّ الظلام على المخيمات، يشتدّ الخوف مع البرد، وتصبح كل خيمة كقلب يرتجف. يعيش النازحون هناك في مخيمات لم تعد ملاذًا آمنًا، بل محطات انتظار طويلة بين الخوف والجوع، بين الأمل المعلق واليأس الذي يطرق الأبواب.
يبدأ كل صباح بالقلق: هل سنجد ماءً نظيفًا للشرب؟ هل سيصل الطعام اليوم، أم سيُحجب مرة أخرى؟ هل سينجو الأطفال من الأمراض التي تتسلل إلى أجسادهم الصغيرة دون دواء؟ لم يعد البقاء على قيد الحياة أمرًا طبيعيًا، بل معركة يومية يخوضها أناس بأجساد منهكة وأرواح مثقلة.
على وجوه النساء، ترى الإرهاق محفورًا في تجاعيد عميقة، وفي عيون الأطفال، ترى سؤالًا صامتًا: لماذا نحن هنا؟ لماذا لا نملك مأوى، ولا مدرسة، ولا طعامًا كافيًا؟ الرجال، الذين كانوا عماد أسرهم، أصبحوا عاجزين أمام الظروف القاسية، يبحثون عن أي وسيلة لتأمين الطعام أو الدواء، وغالبًا ما يعودون خاليي الوفاض.
المخيمات التي كانت تُسمى “ملاذات” باتت عاجزة عن حماية سكانها. الخيام الممزقة لا توفر أي حماية من برد الليل أو حرارة النهار، والطرق المؤدية إلى مصادر الطعام أو الدواء محفوفة بالمخاطر. حتى الهواء مُثقل بالخوف، وكأن كل نفس يُذكرنا بأن الحياة هنا مُعلقة بخيط رفيع.
مع ذلك، وسط هذه المأساة، يبقى نوع من التحدي الإنساني: ابتسامة طفل رغم الجوع، يد أم تربت على كتف صغيرها قائلةً: “سنصمد”، أو شيخ يروي قصص دارفور قبل الحرب ليُبقي ذكرى المكان حية. هذه اللحظات الصغيرة مقاومة صامتة، شهادة على أن الكرامة لا تُمحى حتى في أقسى الظروف.
دارفور اليوم ليست مجرد مكان مُدمّر، بل مرآة تعكس إنسانية جريحة. يُذكّر النازحون هناك العالم بأن البقاء ليس حقًا مضمونًا، بل كفاح يومي. شهادتهم ليست مجرد كلمات، بل حياة معلقة بين الموت والجوع، بين الأمل واليأس.
إنها مأساة تُجبرنا على الرؤية، والشهادة، والاعتراف: البقاء في دارفور ليس حياة عادية، بل كفاح يومي يُجسّد معنى الإنسانية حين تُحاصرها الحرب والمجاعة.
*مسؤول منسقية النازحين واللاجئين في دارفور
12 فبراير 2026

Leave a Reply