بعث الفكرة لا بعث الاسماء

صحيفة الهدف

أمجد السيد

ليس كل صمتٍ غيابًا ولا كل تأخيرٍ ارتباكًا كما ليس كل من يطالب بالعجلة حريصًا على الحقيقة. فبعض الأسئلة تُطرح لا طلبًا للمعرفة، بل رغبةً في التشويش، وبعض المطالب تُرفع لا بدافع الحرص على التنظيم، بل بدافع كسر هيبته وإجباره على كشف ما لا يُكشف في زمن الاستهداف.

المقال الذي كتبه الأستاذ خالد ضياء الدين لا يدافع عن مؤتمر القومي الثالث عشر بوصفه حدثًا تنظيميًا فحسب، بل يضعه في سياقه التاريخي والسياسي والأمني، حيث لا تُقاس الأمور بمنطق الصحافة اليومية ولا تُدار بمنهج الشفافية الاستعراضية التي تريدها الجهات المتربصة بالحزب قبل أن يريدها بعض المستعجلين من داخله.

لقد اعتاد حزب البعث، منذ تأسيسه، أن يعمل في العلن حين تسمح الظروف، وفي الظل حين تفرض المعركة ذلك. وهذا ليس ترفًا تنظيميًا ولا نزعة نخبوية، بل ضرورة وجودية فرضتها تجارب الاجتثاث، والاختراق، والاغ.تيال، والتضليل. ومن لم يفهم هذه المعادلة بعد كل ما جرى في العراق وسورية ولبنان، فإما أنه لم يتعلم من التاريخ، أو يتعمد القفز فوقه.

الإشارة الذكية إلى الحشائش الزائدة ليست توصيفًا عاطفيًا ولا شتيمة سياسية، بل قراءة واقعية لمسار طويل من التنقية القسرية التي خاضها الحزب. فالاحتلال لا يكتفي بإسقاط الدول، بل يسعى لتفكيك الأحزاب من الداخل، وإعادة تدوير المطرودين والمنسحبين كبدائل مشوهة، تُرفع شعارات البعث لتُضرب بها جوهره.

ومن هنا تأتي أهمية ما ورد في المقال عن ظهور أسماء بعينها في سياق ما بعد المؤتمر القومي الـ13. فالحزب الذي لا يُعلن تفاصيله كاملة، يترك دائمًا إشاراته لمن يعرف قراءة السطور وما بينها. العضوية ليست خبرًا عاجلًا، والقيادة ليست مادة للتداول في وسائل التواصل، بل مسؤولية تُثبت بالفعل قبل الإعلان.

أما أولئك الذين يلوّحون بالأقلام المسمومة، مترقبين أي ثغرة، فهم لم يكونوا يومًا جزءًا من المعركة الحقيقية. المعركة التي خاضها بعثيو العراق في الزنازين، وفي ساحات الإع.دام، وفي العمل السري تحت النار، لم تكن معركة بيانات ولا بوستات بل معركة وجود وهوية واستمرار لقد قالها شهداء البعث بوضوح وهم يواجهون الموت عاش البعث. لم يقولوا عاش الأشخاص، ولا عاش الموقع، بل عاش الحزب فكرةً وتنظيمًا ومصيرًا. ومن هذا المعنى يُفهم المؤتمر القومي الثالث عشر: محطة فرز، لا مجاملة؛ إعادة تثبيت للبوصلة، لا توزيع أدوار؛ إعلان دخول مرحلة عمل صامت، لا استعراض صاخب.

إن دعمي هذا المقال ليس دفاعًا عن أشخاص ولا عن أسماء، بل انحياز لخيار تاريخي يرى أن البعث لا يُدار بالعجلة، ولا يُحمى بالثرثرة، ولا يُصان إلا بوعيٍ يعرف متى يتكلم، ومتى يصوم عن الكلام ليترك الفعل يتحدث.

أما الزبد، فسيذهب جفاءً كعادته…

ويبقى ما ينفع البعث والأمة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.