الجبهة الشعبية القومية: لماذا تصبح شرط الانتصار في رؤية المؤتمر القومي الثالث عشر 2026؟

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

بينما تتكاثر المشاريع التفتيتية للأمة، ويُعاد إنتاج الهزائم بصيغ جديدة، يظل السؤال الملح: لماذا تتفوق أدوات التفكيك على أدوات التوحيد؟ بيان المؤتمر القومي الثالث عشر يجيب بأن السر في الجبهة الشعبية القومية. ليست أزمة الأمة العربية اليوم في غياب الشعارات، ولا في فقر الخطابات، بل في غياب الأداة القادرة على تحويل الوعي إلى قوة. فبين وضوح التناقض مع مشاريع الهيمنة، واتساع قاعدة المتضررين منها، ظلّ الفعل القومي منقسمًا، متشظيًا، وعاجزًا عن الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية. من هنا، يكتسب تأكيد بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي على خيار الجبهة الشعبية القومية دلالته العميقة، بوصفه شرطًا سياسيًا وتاريخيًا للخروج من حالة الاستنزاف.

لقد أشار بيان المؤتمر القومي بوضوح الى أن المؤتمر (لقد وجهّ بضرورة وضع برامج تنفيذية لكل مسار نضالي، وخاصة تلك المتعلقة بفتح الحوارات مع القوى والشخصيات الوطنية للإسراع بوضع الأسس لقيام الجبهة الشعبية القومية على المستوى القومي والجبهات الوطنية على مستوى الأقطار التي تتوفر فيها المعطيات الذاتية والموضوعية لقيام هذه الجبهات).

وهذا المعنى للجبهة ليس طارئًا على الفكر البعثي. فقد أكد القائد المؤسس الأستاذ ميشيل عفلق مبكرًا أن الحزب لا يمكن أن يكون بديلًا عن الأمة، بل أداة لإطلاق طاقاتها، وأن لحظات الخطر القومي تفرض الانتقال من العمل الحزبي المنفرد إلى العمل الجبهوي الواسع الذي تتوحد فيه القوى الوطنية حول برنامج تحرري جامع.

يعيد البيان طرح فكرة الجبهة لا كشعار تعبوي، ولا كتجميع شكلي للقوى، بل كإجابة استراتيجية على واقع عربي تتداخل فيه الهزيمة العسكرية مع التفكك الاجتماعي، والتبعية الاقتصادية مع الانقسام السياسي. فالإطباق الشامل الذي تتعرض له الأمة، كما يشخّصه المؤتمر، لا يمكن مواجهته بتنظيم منفرد، ولا بحزب معزول، مهما بلغت صلابته أو نقاء خطابه.

إذن الجبهة الشعبية القومية، في هذا المعنى، ليست نفيًا لدور الحزب، بل توسيعًا لوظيفته التاريخية. فهي الإطار الذي تنتقل فيه الفكرة القومية من دائرة النخبة المنظمة إلى فضاء الفعل الاجتماعي الواسع. ومن دون هذا الانتقال، يبقى الوعي محصورًا، وتبقى المقاومة جزئية، وتظل المبادرة مؤجلة.

فالحزب، مهما بلغ من التنظيم والصلابة، يبقى إطارًا طليعيًا، بينما الجبهة هي الإطار الاجتماعي–السياسي الأوسع الذي تتحول فيه الفكرة إلى قوة شعبية. ومن دون هذا الامتداد، يبقى الحزب في موقع المبادِر لا القائد الفعلي لحركة المجتمع.

ويحذر البيان، بوضوح، من الخلط بين الجبهة بوصفها تحالفًا استراتيجيًا، وبين الاصطفافات التكتيكية الهشّة. فالجبهة التي يتحدث عنها المؤتمر القومي الثالث عشر لا تُبنى على المصالح الآنية، ولا على القواسم السطحية، بل على برنامج تحرري واضح يحدد: طبيعة الصراع، وهوية العدو، وأهداف المرحلة، وآليات العمل المشترك.

من دون هذا البرنامج، تتحول الجبهات إلى تكتلات ظرفية سرعان ما تتفكك عند أول اختبار، أو تنقلب إلى ساحات صراع داخلي تُستنزف فيها الطاقات بدل توجيهها نحو العدو الحقيقي.

ويتطلب بناء الجبهة الفعال آليات عملية تتمثل في مؤتمرات تأسيسية ديمقراطية، وهياكل تنسيق دائمة، وبرامج عمل مرحلية، وآليات فض نزاعات داخلية، وضمانات للتمثيل العادل للقوى المكونة، مع الحفاظ على المركزية الديمقراطية في القرارات الاستراتيجية.

كما يولي البيان أهمية مركزية للطابع الشعبي للجبهة. فالتجارب العربية السابقة أثبتت أن التحالفات النخبوية، مهما بدت متقدمة نظريًا، تفشل حين تنفصل عن القاعدة الاجتماعية. بالتالي فإن الجبهة الشعبية القومية ليست تجمع قيادات، بل حالة تعبئة مجتمعية، تستند إلى العمال والفلاحين، والمثقفين، والطلاب، والنساء، وكل الفئات المتضررة من الاستبداد والتبعية والتفتيت.

وقد أثبتت التجارب التحررية الكبرى أن الجبهات الشعبية كانت دائمًا أداة الانتصار الحاسم. فجبهة التحرير الوطني في الجزائر لم تكن حزبًا بل إطارًا جامعًا، وفي فيتنام شكّلت الجبهة الوطنية للتحرير الحاضنة السياسية والعسكرية للنصر، كما أن تجارب المقاومة في فلسطين ولبنان أثبتت أن اتساع الحاضنة الشعبية هو ما يمنح الفعل المقاوم قدرته على الاستمرار. وكما قدّمت التجربة العراقية قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003 نموذجًا مختلفًا لفكرة الجبهة، ليس في ساحات المقاومة فقط، بل في إدارة الحكم الوطني ذاته. فقد شهد العراق قيام (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)، التي جمعت قوى سياسية متعددة ضمن إطار جبهوي شارك في إدارة الدولة، وفي رسم السياسات العامة، وفي بناء مشروع وطني قائم على الاستقلال الاقتصادي، وتعزيز التعليم، وتوسيع قاعدة الخدمات الاجتماعية. ورغم ما شاب التجربة لاحقًا من تعقيدات سياسية وصراعات داخلية، فإنها تظل مثالًا على أن فكرة الجبهة لم تكن في الفكر البعثي مجرد أداة مواجهة، بل صيغة حكم وطني تسعى إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية ضمن مشروع سيادي مستقل.

لكن التاريخ العربي أيضاً يحمل دروساً عن جبهات فاشلة منها الجبهة الوطنية اللبنانية التي رغم طابعها الإصلاحي الواسع، عجزت عن التحول إلى إطار وطني جامع بفعل تعقيدات البنية الطائفية وتدخلات الخارج، فانزلقت البلاد إلى الحرب الأهلية، تجارب التحالفات السياسية في السودان التي بقيت نُخبوية ولم تتحول إلى جبهة شعبية ذات برنامج تحرري واضح. وجبهات الربيع العربي التي تفككت أمام أول اختبار للسلطة.

وفي هذا السياق، يعيد المؤتمر القومي الثالث عشر الاعتبار للعلاقة العضوية بين الجبهة والديمقراطية. فالجبهة التي تُبنى على الإقصاء، أو تُدار بعقلية الوصاية، لا يمكن أن تكون أداة تحرر. فالديمقراطية هنا ليست شرطًا أخلاقيًا فحسب، بل شرطًا وظيفيًا لنجاح الجبهة واستمرارها. فالتعدد داخل الجبهة ليس ضعفًا، بل مصدر قوة، إذا أُدير ضمن إطار برنامج واضح وانضباط نضالي مشترك.

والمفارقة أن فكرة الجبهة تبرز عادة في لحظات القوة، لكنها تصبح في لحظات الضعف ضرورة وجودية. فحين تتكاثر الهزائم الجزئية، يصبح توحيد القوى ليس خيارًا سياسيًا، بل شرطًا لمنع الانهيار الشامل.

ولا يغفل البيان عن المخاطر التي تهدد فكرة الجبهة، وفي مقدمتها محاولات الاحتواء الخارجي، والتفريغ السياسي، وتحويل الجبهات إلى واجهات تفاوضية بلا قدرة فعلية. ويتجلى التحدي العملي في: اختلاف المرجعيات الفكرية بين القوى المكونة، وتضارب المصالح الضيقة، وضغوط الخارج للتفريق بينها، وصعوبة بناء آلية قرار جماعي فعال، وتحدي الحفاظ على التوازن بين المرونة المطلوبة للجبهة والانضباط المطلوب للعمل المشترك. ولهذا، يشدد المؤتمر على استقلالية القرار الوطني والقومي، وعلى ضرورة أن تكون الجبهة أداة مقاومة، لا منصة تسوية على حساب الحقوق الأساسية للأمة.

إن استعادة مفهوم الجبهة الشعبية القومية، كما يطرحه المؤتمر القومي الثالث عشر، ليست عودة إلى الماضي، بل قراءة نقدية لتجارب القرن العشرين، واستخلاص واعٍ لدروس الفشل والنجاح. فالأمة التي تواجه مشروعًا متكاملًا لتفكيكها، لا يمكن أن تنتصر إلا بمشروع متكامل لمقاومته.

وفي عالم اليوم، تكتسب الجبهة بُعداً إقليمياً جديداً: فهي لا تعني فقط توحيد القوى داخل القطر الواحد، بل تعني أيضاً بناء شبكات تضامن بين الجبهات القطرية، وتنسيقاً على المستوى العربي العام، في مواجهة مشاريع التطبيع والتبعية التي تتخطى الحدود الوطنية.

ولهذا، فإن تأكيد بيان المؤتمر القومي الثالث عشر على الجبهة الشعبية القومية لم يرد في سياق تنظيري أو إنشائي، بل جاء ضمن برنامج مرحلي واضح ربط بين فتح الحوارات الوطنية، وبناء الأطر الجبهويّة، وتحويلها إلى أدوات فعل سياسي واجتماعي منظم. فالمؤتمر لم يكتفِ بالدعوة إلى الجبهة، بل وضعها ضمن آليات التنفيذ، باعتبارها الأداة العملية القادرة على نقل المشروع القومي من مستوى البيان إلى مستوى الفعل التاريخي.

تتمثل استراتيجية البناء المعاصر للجبهة في التالي: البناء من الأسفل) من القاعدة الشعبية إلى القيادة)، والبرنامج المرحلي (أهداف واضحة وقابلة للتحقيق)، والتمويل الذاتي (استقلال عن التمويل الخارجي)، والتواصل الجماهيري (خطاب يخاطب الجميع لا النخبة فقط)، ومن ثم آليات مرنة (تتكيف مع المستجدات دون التفكك).

إذن الجبهة الشعبية القومية، كما يطرحها المؤتمر القومي الثالث عشر، ليست دعوة تنظيمية عابرة، بل استعادة لواحد من أهم قوانين العمل القومي في لحظات الخطر، وذلك من خلال توحيد الطاقات قبل استنزافها، وتوسيع دائرة الفعل قبل انكماشها. فهي الجسر الذي تنتقل عبره الأمة العربية من الوعي بحجم المأساة إلى القدرة على تغييرها، ومن تفرق الإرادات إلى وحدة المشروع. ومن دون هذا الجسر، يبقى النضال شجاعًا لكنه معزول، صادقًا لكنه محدود الأثر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.