م/ عادل أحمد محمد
ما يزال انقلاب 25 أكتوبر 2021 واتفاق 21 نوفمبر بين البرهان وحمدوك يمثلان “اللغز الأكبر” في مسار الثورة السودانية. لكن، بالنظر بعمق في الثقوب التي تخللت تلك المرحلة، نجد أن المشهد لم يكن صراعاً بين مدنيين وعسكريين فحسب؛ بل كان “إعادة تموضع” استراتيجي لجماعات النظام القديم (الإسلامويين) الذين أتقنوا فن اللعب على التناقضات.
1. من “الكمون” إلى “الهجوم”: تغيير التكتيك الإخواني
بعد سقوط نظام البشير، كان الخيار المنطقي أمام الحركة الإسلامية هو الانسحاب التكتيكي لتنظيف الصفوف والعودة عبر صناديق الاقتراع بوجوه جديدة. لكن هذا المسار تغير تماماً؛ فقد قرأ الإسلامويون “ضعف” الجهاز التنفيذي بقيادة د. عبد الله حمدوك، وتشتت الحاضنة السياسية (قوى الحرية والتغيير)، كفرصة ذهبية للانقضاض السريع بدلاً من الانتظار الطويل.
2. حميدتي: “الرجل المناسب” في فخ “المكان المناسب”
هنا تبرز النقطة الأكثر إثارة في التحليل؛ وهي دور محمد حمدان دقلو (حميدتي). يرى المراقبون أن الإسلامويين، الذين صنعوا “الجنجويد” تاريخياً، أدركوا أن حميدتي -رغم تضخم طموحه- يفتقر للحنكة السياسية العميقة.
• الكومبارس والمخرج: تم دفع حميدتي ليكون الواجهة العسكرية التي تضغط على المدنيين، بينما كان “المخرج” الإسلامي يخطط لمرحلة ما بعد الانقلاب.
• الجهل السياسي كأداة: استُخدم طموح حميدتي “المجلوب من الخلا” ليكون الأداة التي تشـ.ـعل الفتيل، ظناً منه أنه يؤمن مستقبله السياسي، بينما كان في حقيقة الأمر ينفذ الجزء الأخطر من خطة العودة: “صناعة الفوضى التي تبرر التدخل”.
3. اتفاق 21 نوفمبر: المسمار الأخير في نعش المدنية
عندما وقع حمدوك اتفاقه مع البرهان، كان يظن أنه “يحقن الدمـ.ـاء”، لكنه في الواقع منح الإسلامويين “الشرعية” للتحرك داخل أجهزة الدولة مرة أخرى تحت غطاء “الاستقرار”. استقالة حمدوك بعد 42 يوماً لم تكن مجرد فشل سياسي، بل كانت إعلاناً بنجاح خطة “التجريف” التي مهدت الأرض للصراع المسلح.
4. إشعال الحـ.ـرب: الغاية تبرر الوسيلة
عندما فشلت الترتيبات السياسية في إعادة الإسلامويين بشكل ناعم؛ تم الانتقال إلى “الخطة ب”: الحـ.ـرب.
الهدف كان واضحاً: تحطيم القوى المدنية تماماً، وإشغال الجيش والدعم السريع في محرقة متبادلة تنهي طموح حميدتي “الكومبارس” الذي تجاوز دوره المرسوم، وتسمح للتنظيم بالعودة كـ “منقذ” للدولة من الانهيار الشامل.
الخلاصة: القارئ بين السطور
إن قصة السودان منذ 2021 وحتى حـ.ـرب 2023 ليست صراعاً على التحول الديمقراطي فحسب؛ بل هي قصة “اختطاف” لمسار الدولة من قبل مجموعات تملك الخبرة في إدارة الأزمات. لقد كان حميدتي هو الرجل الذي استُخدم لخدمة مصالح “السيستم” القديم بجهل منه، وكان حمدوك هو “الجسر” الذي عبرت عليه رياح الردة بضعف منه.

Leave a Reply