الشباب والطلاب والمرأة: رهان البعث على المستقبل في المؤتمر القومي الثالث عشر2026م

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

لم يكن توجيه المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي بإيلاء القطاعات الشبابية والطلابية والنسوية أهمية خاصة في مسيرة الحزب النضالية تفصيلًا تنظيميًا، ولا استجابة ظرفية لتحولات اجتماعية طارئة، بل جاء بوصفه تعبيرًا عميقًا عن وعي تاريخي بطبيعة الصراع، وبشروط استمراره وتجدد أدواته. فالأحزاب التي لا ترى في الشباب مستقبلها، ولا في المرأة شريكة كاملة في مشروعها، ولا في الطلاب مختبر الوعي القومي، إنما تحكم على نفسها بالجمود، ولو رفعت أرفع الشعارات.

إن استدعاء المؤتمر لمقولة الشهيد القائد صدام حسين: (نكسب الشباب لنضمن المستقبل)، لا يأتي من باب الاستشهاد الرمزي، بل من موقع التأكيد على حقيقة فلسفية–سياسية مفادها أن الصراع القومي ليس معركة آنية تُحسم بالسلاح وحده، بل مسار تاريخي طويل تُخاض معاركه في الوعي قبل الميدان، وفي التربية قبل السياسة، وفي بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات.

في الفكر البعثي، لا يُنظر إلى الشباب والطلاب والمرأة بوصفهم قطاعات اجتماعية تحتاج إلى رعاية تنظيمية، بل بوصفهم الحامل التاريخي لاستمرار الرسالة القومية. فالأمة، في تصور البعث، لا تستمر بالمؤسسات، بل بالإنسان الذي يتشرب عقيدتها، ويحمل وعيها، ويعيد إنتاجها في كل جيل.

1. الشباب: (من الطاقة الخام إلى الفعل التاريخي): يرى المؤتمر في الشباب ليس مجرد فئة عمرية، بل طاقة تاريخية كامنة، قادرة على تحويل الأفكار إلى فعل، والوعي إلى حركة. فالشباب هم أول من يدفع ثمن الهزائم، وأول من يُستهدف بخطاب اليأس والتطبيع، وهم في الوقت ذاته الأكثر قابلية لاستعادة المبادرة حين تتوفر لهم رؤية واضحة، وتنظيم حي، وخطاب صادق لا يتعامل معهم كأدوات تعبئة مؤقتة، بل كصُنّاع مستقبل.

ومن هنا، فإن رهان الحزب على الشباب هو رهان على قطع دورة الهزيمة النفسية التي تعمل قوى الهيمنة على ترسيخها، عبر إعادة إنتاج الوعي القومي بلغة العصر، دون تفريط بالثوابت، ودون قطيعة مع التراث النضالي.

2. الطلاب: (الجامعة بوصفها ساحة صراع ووعي): أما القطاع الطلابي، فيحضر في رؤية المؤتمر بوصفه الحيّز الأشد حساسية في تشكيل الوعي القومي والسياسي. فالجامعة ليست مؤسسة تعليمية محايدة، بل ساحة صراع فكري وثقافي، تُعاد فيها صياغة الأسئلة الكبرى حول الهوية، والحرية، والدولة، والمستقبل. وإدراك المؤتمر لأهمية الطلاب يعكس وعيًا بأن معركة الأمة اليوم تُخاض أيضًا في المناهج، والخطاب الإعلامي، ووسائط المعرفة، وأن ترك هذا الفضاء بلا مشروع قومي واضح يفتح الباب واسعًا أمام مشاريع التفكيك، والاغتراب، وإعادة إنتاج التبعية بأدوات ناعمة.

ولهذا اكتسبت الجامعة في التجربة البعثية موقعًا استثنائيًا، إذ لم تكن ساحة تعليم فقط، بل فضاءً لصناعة الكادر القومي الواعي. فالتنظيمات الطلابية لم تُنشأ لتأطير النشاط السياسي، بل لتكوين الشخصية العربية الجديدة القادرة على الربط بين الفكر والممارسة، وبين الهوية والمعرفة.

3. المرأة: (من الهامش إلى قلب المشروع القومي): في تأكيده على أهمية القطاع النسوي، يقطع المؤتمر مع أي فهم تقليدي أو شكلي لدور المرأة في العمل القومي. فالمرأة، في الرؤية البعثية، ليست (ملفًا اجتماعيًا) أو إضافة تجميلية، بل ركنًا أصيلًا في معركة التحرر والنهضة. فمجتمع يُقصي نصف طاقته، أو يُبقيه في الهامش، لا يمكن أن ينهض، ولا أن يصمد في مواجهة تحديات الوجود والهوية. إن إشراك المرأة في مسيرة الحزب النضالية هو شرط لتحرير المجتمع نفسه من البنى المتخلفة التي تُضعف مناعته الداخلية، وتجعله أكثر عرضة للاختراق الخارجي.

وقد قدّمت تجربة الحكم الوطني في العراق نموذجًا عمليًا لهذا الفهم، حيث لم يُترك العمل مع الشباب والطلاب والمرأة في إطار الشعارات، بل تُرجم إلى سياسات ومؤسسات وبرامج واقعية. فقد أُنشئت اتحادات طلابية وشبابية فاعلة، وتم توسيع مشاركة المرأة في التعليم والعمل العام بصورة غير مسبوقة عربيًا، وأُدرجت التربية الوطنية والقومية في المناهج، بحيث أصبح بناء الوعي جزءًا من بنية الدولة لا نشاطًا هامشيًا. هذه التجربة لم تكن ترفًا اجتماعيًا، بل إدراكًا مبكرًا أن حماية المشروع القومي تبدأ بحماية وعي الأجيال الصاعدة، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد، بل في الإنسان.

4. بين الثابت والمتغير: (تجديد الأدوات لا التخلي عن الجوهر): يؤكد المؤتمر، عبر هذا التوجيه، معادلة مركزية في فكر البعث، ثبات المشروع، وتجدد أدواته. فالثوابت القومية – الوحدة، والحرية، والاشتراكية، والديمقراطية – لا تُصان بالجمود، بل بإعادة إنتاجها في وعي الأجيال الجديدة، وبالانفتاح على أسئلتهم، ومخاوفهم، وتحديات زمنهم. ٍومن هنا، فإن العمل بين الشباب والطلاب والنساء ليس هامشًا تنظيميًا، بل هو قلب الصراع القومي في مرحلته الراهنة، حيث تتحدد ملامح المستقبل، ويُحسم السؤال الأخطر، هل تبقى الأمة العربية فاعلًا في التاريخ، أم تتحول إلى موضوع دائم للتدخل والهيمنة؟.

5. رهان المستقبل: في لحظة عربية يتصاعد فيها خطاب الهزيمة، ويُروَّج فيها للتطبيع بوصفه (واقعية سياسية)، يأتي المؤتمر القومي الثالث عشر ليعيد تثبيت البوصلة، لا مستقبل بلا شباب واعٍ، ولا نهضة بلا طلاب منخرطين في مشروعهم القومي، ولا تحرر بلا امرأة شريكة في الفعل والتغيير. فإن توجيه المؤتمر لهذه القطاعات يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع الطويل، حيث لا تُحسم المعارك فقط في ميادين القتال أو السياسة، بل في ميادين التربية والوعي. فالأمة التي تخسر أجيالها، تخسر مستقبلها، مهما امتلكت من أدوات آنية. وهكذا، فإن توجيه المؤتمر ليس فقط دعوة تنظيمية، بل إعلان قناعة راسخة بأن الأمة التي تكسب شبابها، وتحرر طاقاتهم، وتُشرك نساءها، إنما تضع أقدامها بثبات على طريق الانبعاث، مهما طال الصراع، ومهما اشتد الإطباق.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.