مجدي علي
قاتل الله السياسة التي تعتقد أنّها أذكى من التّاريخ، وتظنّ أنّ بإمكانها أن تغيّر مسار الحقيقة، وأن تلغي قيم التقدير والوفاء.
مُحزن حتمًا أن يرحل رائد المسرح الكويتي عبد العزيز السريع.. لكن الأشدّ حزنًا أن يأتي رحيله بعد أيام قليلة من صدور مرسوم حكومي بسحب جنسيته، فضيحةٌ بلا مبرر، وغصّة لا تُمحى في قلوب محبيه وأهل الفن والمسرح.
ألم تعلموا أن المواطن عبد العزيز السريع وُلد في الكويت عام 1939، وعاش فيها حياته كلها وكرّسها لوطنه، وللفن والمسرح؟

أنسيتم أن عبد العزيز السريع لم يكن مجرد مؤلف مسرحي؛ إنه روح المسرح الكويتي. انضم إلى فرقة مسرح الخليج العربي عند تأسيسها عام 1963، وأصبح ركناً أساسياً في تطويرها، أشرف على إنتاجها، تولّى رئاستها لسنوات، ثم أصبح رئيسًا فخريًا عام 1992، حاملًا رؤيته الفنية العميقة ومرشدًا لكل من سار خلفه. من خلال أعماله، أسس السريع اتجاهًا جديدًا في الكتابة المسرحية الخليجية، قائمًا على النقد الاجتماعي والوعي واللغة الرصينة. أعماله التي تُرجمت إلى الإنجليزية وشاركت في مهرجانات دولية، كلّها شهادات حية على عبقريته وعمق فكره.
هل تعلمون أن السريع قد تقلّد مناصب رفيعة، بينها رئاسة قسم الدراما في تلفزيون الكويت، وإدارة الثقافة والفنون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والأمانة العامة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، ونائب رئيس الاتحاد العام للفنانين العرب، وعضوية لجان تحكيم مهرجانات مسرحية عربية ودولية، ليصبح أحد المعمّرين الحقيقيين للسياسات الثقافية على الصعيدين الخليجي والعربي. وأن أثره قد تجاوز المسرح ليصل إلى الدراما التلفزيونية والإذاعية، من خلال أعماله وبرامجه الثقافية التي شكّلت وعي الجمهور الكويتي والعربي، ورفعت مستوى الأداء الفني لدى أجيال كاملة من المثقفين والمبدعين.
ماذا أضرّ الكويت لو احترمت تاريخ عبد العزيز السريع وعطاءه الذي امتد أكثر من سبعة عقود؟ ألم يكن هذا الإرث كافيًا ليعيش آخر أيامه مكرّمًا، محاطًا بالتقدير والوفاء؟
أنا على يقين أن السريع قد رحل وفي حلقه غصّة، وفي قلبه ألم، لكنه عزاؤه أنه ترك إرثًا فنيًا وثقافيًا يستحق أن يُحتفى به ويُحترم.
برحيله فقدت الكويت والساحة الثقافية الخليجية واحدة من أعظم الشخصيات، رجلاً صنع من المسرح رسالة حضارية، وترك إرثًا ثقافيًا لن ينساه محبوه. سيظل دومًا، وبلا جنسية، أحد أعمدة المسرح والهوية الثقافية العربية.
قاتل الله الساسة الذين سعوا لإفساد رحلة عمر قضّاها السريع خدمةً لوطنه ولأمته. وما أسهل أن تُسحب الجنسية من رجل عظيم، مؤسس وقائد، أنفقت حياته في بناء وطنه الثقافي، بينما تُمنح في دقائق لشخص لا صلة له بالبلد، لا يعرف تاريخه ولا يحمل همومه، ربما أن كل إمكاناته إحسان ركل الكرة برجليه!.
#ملف_الهدف_الثقافي #عبد_العزيز_السريع #المسرح_الكويتي #فن #ثقافة #الكويت #الخليج_العربي #أدب #صحيفة_الهدف #وفاء_المبدعين #الرحيل_المر

Leave a Reply