لماذا لم تستكمل الرواية السودانية سرد وجعها الكبير؟ (2)

صحيفة الهدف

تقرير: عبد المنعم مختار

كثيرًا ما تتحوّل التجارب السياسية القاسية في المجتمعات العربية إلى مادة سردية كبرى، حيث يجد الألم الجماعي طريقه إلى الرواية بوصفها ذاكرة موازية للتاريخ الرسمي، وأكثر قدرة على تفكيك التحولات العميقة التي تعجز اللغة السياسية عن احتوائها.

إذا كانت التجربة السياسية العربية قد أفرزت سرديات روائية كبرى تجاوزت حدود الجغرافيا، كما فعل عبد الرحمن منيف في (مدن الملح) وهو يؤرّخ لصدمة السلطة والنفط، وكما جسّد نجيب محفوظ تحولات المجتمع المصري عبر ثلاثيته (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وكما اشتغل واسيني الأعرج في رواياته مثل (ذاكرة الماء)، (سيّدة المقام) وكتاب (الأمير) على جراح الذاكرة الجزائرية وأسئلة العنف والهوية والسلطة.. فلماذا لم تتحوّل التجربة السودانية، بما تنطوي عليه من ح.روب طويلة، وانقسامات، وأسئلة هوية معقّدة، إلى مشروع روائي عربي واسع الحضور، قادر على تمثيل هذا الألم الإنساني العميق سرديًا؟

طرحنا التساؤل على منضدة الحوار، وهذه بعض الرؤى:

الصراع حول الهوية

الروائي والشاعر حسن بكري يرى أنه رغم غنى التجربة السودانية سرديًا، فإن ضعف البنية الداعمة للنشر حدّ من حضور الرواية السودانية على نطاق واسع. ويضيف: نلمس الآن انتشارًا نوعيًا بانفتاح الكُتّاب السودانيين، لا سيما الشباب، نحو دور نشر عربية مختلفة، وقد أسهمت تجربة اللجوء القاسية في ذلك بإتاحة فرص جديدة للنشر. كما أن انخراط بعض الروائيين في مشاريع سياسية أو أيديولوجية جعل السرد أحيانًا ينحاز للرؤية الفكرية أكثر من بناء ملحمة إنسانية جامعة. يُضاف إلى ذلك الصراع الحقيقي أو المتوهم حول الهوية السودانية وتعددها، ما أدى إلى تشظي السرد بدل تبلوره في (مشروع كبير) واحد. ومع ذلك، تظل هنالك أعمال عديدة قد تمثل نواة لمسار سردي عميق لم يُنصف نقديًا بعد، مثل أعمال ستيلا غايتانو، منصور الصويم وآخرين”.

تدمير البنية الأساسية

الشاعر والقاص د.الشيخ فرح يقدّم تشخيصًا للمشهد مفاده أن التجربة السودانية غنية بكل أشكال التجارب الإنسانية التي تؤهلها لتتربّع على قمّة الأدب العربي بشكل عام، والروائي بشكل خاص. فتراكم تجارب الـ ح.روب (الجنوب، دارفور، وهذه الـ ح.رب)، وتعقيد الهوية وتراكم الـ ع.نف، يزيد من مقوّمات الملحمة الروائية من ألم وتهجير وفقر وفقد وموت، وتناقضات الـ ح.رب وتأثيرها على المجتمع سلبًا أو إيجابًا، ومع ذلك ظل حضورنا الروائي في هذا الجانب محدودًا إلى حدٍ ما.

ويكمل د.الشيخ فرح: يمكن إرجاع هذه المحدودية إلى عوامل عدة تختلف في قوة تأثيرها وتتفق في الحد من انتشار الرواية السودانية بشكل أو بآخر، أولًا: تمركز المشهد الأدبي العربي حول عواصم محددة مثل القاهرة، بيروت، دمشق، ولاحقًا الخليج، أدى إلى تأخير انتشار الأدب السوداني في الوطن العربي رغم محاولات الطيب صالح، عبد العزيز بركة ساكن، أمير تاج السر، حمّور زيادة وغيرهم. ورغم عمق إنتاجنا الأدبي وقوة تأثيره على الوجدان الإنساني العالمي، إلا أننا لم نبارح في ذاكرة العرب خانة (نقرأ)، بينما (تكتب) القاهرة و(تطبع) بيروت.

إن ضعف فرص النشر والتوزيع والترجمة والاحتفاء النقدي، كجزء من تدمير البنية الأساسية في السودان، أدى إلى عدم تكوين تجارب تراكمية روائية عن تداعيات الـ ح.رب وتأثيرها، تجعل من الرواية السودانية في هذا الجانب تيارًا مرئيًا عربيًا.

كما أن تغلّب الشعر والخطاب السياسي على التعبير عن الوجدان السوداني، وحاجة الرواية إلى مسافة زمنية ونفسية كافية، أسهما في تأخر تشكّل سردية روائية كبرى عن الـ ح.روب، رغم بروز نماذج حديثة مثل رواية البتراء لصلاح القويضي. ونحن في انتظار نماذج أخرى تروي عن هذه الـ ح.رب وأثرها على الفرد والمجتمع، وأول الغيث قطرة.

 أعمال روائية مختلفة

القاصة إنصاف الشفيع تطرح تقول في قراءاتها :لسنوات طويلة لم تُعرف أسماء سودانية في عالم الرواية العربية باستثناء الطيب صالح. تلت تلك المرحلة ظهور بعض الأسماء التي ولجت مجال كتابة القصة القصيرة أو الرواية، لكن ظل عدم انتشار الأعمال السودانية بصورة كبيرة في الوطن العربي ملازمًا لتلك الأعمال، إلا من بعض المشاركات في معارض الكتاب والمسابقات الموسمية.

وبرغم تفرّد تجربة السودان السياسية، وغنى مادتها الناتجة عن الـ ح.روب والانقلابات والواقع السياسي والاقتصادي المعقّد، فإن ما كُتب عنها لم يرقَ في مجمله إلى أعمال سردية كبرى، إذ انحصر أغلبه في روايات قصيرة ومجموعات قصصية .وقد شكّلت أعمال مثل موسم الهجرة إلى الشمال، شوق الدرويش، توترات القبطي، روح النهر، مسيح دارفور، تخوم الرماد محاولات مهمة للاقتراب من قضايا الهوية والـ ح.رب والذاكرة.

وترى أن الـ ح.رب الحالية، بما خلّفته من أثر شامل على الإنسان السوداني، ستنعكس بوضوح على الأعمال الأدبية خلال وبعد هذه المرحلة، حيث سيبرز جيل من النصوص الصادقة الناتجة عن تجارب معيشة مباشرة. ومع خروج أعداد كبيرة من الكُتّاب إلى فضاءات تتيسر فيها النشر والطباعة، تتوقع بروز أعمال روائية جديدة ومختلفة، قد تعيد كتابة السرد السوداني على نحو غير مسبوق.

#ملف_الهدف_الثقافي #الرواية_السودانية #الأدب_العربي #السودان #ثقافة #نشر #الطيب_صالح #سرد #نقد_أدبي #صحيفة_الهدف #لا_للـ_ح.رب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.