تسنيم طه
عن دار “الريس للنشر والترجمة”، صدرت موخرًا رواية (كيرا كيرالينا) للكاتب بَنايِيت إستراتي، وقد ترجمتها للعربية الكاتبة والروائية والمترجمة السودانية تسنيم طه، عن تجربتها مع هذا العمل كتبت تسنيم:
أخيرًا، انعتقتُ من هذه الرواية التي أرهقتني ترجمتها جدًا جدًا.. لكنه إرهاق لذيذ ومحبّب يُشبع الفضول ويُنمي الرغبة في اكتشاف المزيد والمزيد من عوالم الروائي الروماني “بَنايِيت إستراتي” الذي استحق بجدارة لقب (غوركي البلقان).
هذا الإرهاق لم يكن نتيجة صعوبة لغة الكاتب، التي كانت على العكس تمامًا لغة سلسة شاعرية وسهلة، بل نتج عن احتواء هذه الرواية على كلمات وتعابير من لغات لا أتقنها (الرومانية والتركية واليونانية)، ما اضطرني إلى تمضية وقت طويل في البحث والمراجعة.
(كيرا كيرالينا)، الرواية الأولى في هذه الملحمة الإنسانية (حكايات أدريان زوغرافي)، أحد أهم مشاريع بَنايِيت إستراتي السردية. رواية يمكن وصفها بأنها تراجيديا إغريقية ذات نكهة سلافية رومانية، مشبعة بعبق تركي شرقي يستدعي أجواء (ألف ليلة وليلة)، بما تحمله من ع.نف وشهوة وقدر، وبحث عبثي عن العدالة.
و(أدريان) ليس بطلًا تقليديًا، بل مرآة روحية تعكس أسئلة الكاتب الوجودية وتمرّده الأخلاقي على الظلم الاجتماعي والقهر الإنساني. ورغم أنه يبدو من الوهلة الأولى محور الرواية، إلا أن حضوره لا يتجاوز كونه الخيط السردي الذي يقودنا إلى الحكاية الأعمق: قصة سْتَافْرُو، ولا سيما تلك المرحلة المفصلية من حياته حين كان يُعرف باسم دْرَاغُومِير.
ينطلق (أدريان)، مدفوعًا بشغفه في التحديق في أغوار النفس البشرية وبنزعة لا تُقاوَم إلى المغامرة، في رحلة مع سْتَافْرُو الذي يروي له طفولةً عاشت توازنًا هشًا بين أم وأخت آيتين في الجمال، قبل أن تقع الفاجعة التي دمّرت عالمه.
بعد وقوع المأساة العائلية، تُختطف أخته الحبيبة كيرا وتُحبس في أحد قصور (حريم السلطان)، فيبدأ دْرَاغُومِير انحداره الطويل عبر لقاءات سامة تُفسد روحه، قبل أن يتوه في أرجاء الإمبراطورية العثمانية، ولا سيما في تخوم الشرق الأوسط، باحثًا عن أخته الضائعة وعن خلاص يبدو مستحيل المنال.
تتوزّع أحداث هذه الحكايات في فضاءات جغرافية واسعة تمتد من أوروبا الشرقية والبلقان إلى الأناضول والشرق الأوسط، حيث تتحوّل الرحلة إلى امتحان وجودي، وتصير الأمكنة مرايا للمصائر. وهذا التنوع لا شك يثري التجربة السردية، كاشفًا عن ثقافات متباينة ووقائع اجتماعية قاسية وشخصيات إنسانية نابضة تصبح شهودًا على تحوّلات أدريان وأسئلته الكبرى.
من يقرأ هذه الرواية سيشتاق حتمًا لاكتشاف بقية أعمال هذا الكاتب العظيم، الذي تنقل بين فرنسا وسويسرا والاتحاد السوفييتي والشرق الأوسط قبل أن يعود إلى وطنه رومانيا في أواخر حياته، ليتوفى في بوخارست عام 1935، تاركًا وراءه أدبًا مشحونًا بالصدق والتمرد، ومدافعًا عن كرامة الإنسان.
#ملف_الهدف_الثقافي #كيرا_كيرالينا #تسنيم_طه #بناييت_إستراتي #ترجمة #أدب_روماني #رواية #ثقافة #صحيفة_الهدف #نقد_أدبي

Leave a Reply