عقاب الدرويش

صحيفة الهدف

الشيخ فرح محمد الحسن

في وسط المدينة القديمة يقع ميدان الحرية الكبير. يحاط الميدان بأشجار البان الطويلة كإحاطة السوار بالمعصم، وتنتشر فيه أحواض من الزهور المختلفة الألوان والأشكال، وتُلوّن خلفيته أزهار الجهنمية الحمراء. داخل الميدان تقف بعض الأشجار المتفرقة كأسنان العجوز، وبينها أشجار يابسة بسبب الإهمال والجفاف.

في الجهة الجنوبية من الميدان يقف دفع الله بقامته المستوية ونحافته البارزة للعيان، شعر كثيف لم يمر عبره مشط ولم يعرف الدهن، ووجهه رغم اتساخه يشع نورًا لا يشبه نور أشعة الشمس المنعكسة على جبهته، بل وكأنه ينبعث من داخل روحه المشبعة بالسكينة والسلام. يقف ساكنًا دون حراك، كأنه يتمتم وردًا خفيًا أو يناجي ربه بهذا السكون الطويل، لا يعنيه العالم من حوله، فلا يلتفت لمن ينادي باسمه، ولا لمن يمازحه صائحًا: دفع الله القرقول، أو دفع الله عمود السلك.

كما لا يستجيب لصبي الشاي الذي يحمل صينيته الكبيرة وعليها أكواب الشاي وفناجيل القهوة الصغيرة وقطع من الجمر المتناثر على الصينية، قاطعًا طرف الميدان ليصل لمكاتب الوزارة، وهو ينادي دفع الله بصوت حنون: أديك كباية شاي وإلّا فنجال قهوة؟ لا يرد الدرويش عليه ولا على أحد، بل يستمر في وقفته المتخشّبة حتى ترتفع الشمس في كبد السماء مرسلة أشعتها اللاهبة، فيسيل عرقه على جلبابه المتسخ، واضعًا آثارًا واضحة بين التراب والطين على الجلباب الممزّق، راسمًا خرائط دون نظام لأماكن ليست على الأرض. ما أن يسمع أذان الظهر حتى يتحرّك من وقفته الطويلة كمن دبّت فيه الحياة، ويختفي عن الأنظار، وكأنما انشقت الأرض وابتلعته.

يتكرّر وقوف دفع الله، ولا يتوقف المارة من التحدث إليه، بعضهم ينظر إليه باستغراب دون أن ينبس ببنت شفة، والبعض الآخر يتحاشى المرور بجانبه خوفًا أن يكون مجنونًا أو به مسّ من الجنون. لا أحد يعرف أين يذهب؟ وأين ينام؟ ومتى يأكل؟ ولا كيف عرف الناس اسمه عندما ينادونه دفع الله؟ ولا يعلم أحد إن كان هذا اسمه أم لا. كل ما يعرفونه أنه لا يتكلم ولا يغيّر من وقفته، كما لا يستجيب لأحد.

في الجهة الشمالية من الميدان توجد وزارة المالية، وتفتح شبابيك مكاتب المحاسبة والتدقيق الأربعة على طرف الميدان، وتحديدًا على زاوية وقوف دفع الله. كنت حينما أنظر من شباك مكتب التدقيق، يقع بصري مباشرة على دفع الله بوقفته اليومية، وأستغرب من التيبس الذي يعتري الدرويش، ويدهشني أكثر حركته النشطة حين يسمع الأذان.

الغريب أنه لا أحد رأى حضور دفع الله للميدان، فكما أتيت مبكرًا لم يسبقه، فهو دائم الوجود، وكأنه أصبح جزءًا من الميدان. سألت شيخ محمود، الذي يعمل في قسم المراقبة المالية عن حالة دفع الله، فهو أقدمنا في الوزارة، ودائمًا ما يجيب على أسئلتي في الصغير والكبير، فهو رجل صقلته الدنيا وزادته حكمة ومعرفة، فرد على سؤالي رافعًا عينيه إلى سقف المكتب: هؤلاء الدراويش يكون عليهم عقاب، ولابد أن يقضي هذا العقاب كيفما كان، ودون تردد، ومهما كان الثمن. ثم نظر لي من فوق نظارته السميكة: قد يكون هذا العقاب من شيخه أو ربما من نفسه، وممكن يكون نذرًا لشيء ما.

قلت له: كيف أعرف؟ أجاب وهو يمسك لحيته البيضاء بيده اليسرى: لن يجيبك مهما حاولت، فلا تتعب نفسك. وفعلًا، لم أسمع دفع الله يتكلم بتاتًا، ولا ينظر إلى عينيك أو يلتف ناحيتك إن قرّبت منه، فكيف سيجيب على سؤالي إن سألته!

الغريب أن رئيس مكتبنا، الأستاذ مانع، كان لا يترك دفع الله في حاله، ويصرخ كل يوم عليه: امشي أقيف في مكان آخر. أو يخرج رأسه من الشباك قائلًا: يا زول إنت ما عندك شغلة تشتغلها واقف في الحر ده زي الوِتد. والأغرب من ذلك أنّ صراخ مانع وعصبيته يقابلها برود وتجاهل تام من دفع الله، فلا يتحرك من حالته الشمعية تلك، ولا ينظر إليه، مما يزيد الأستاذ مانع عصيبة وضيقًا.

سألت محمود عن سر العلاقة المتوترة بين الدرويش وبين مانع، فأجاب قائلًا: ظهر دفع الله، ولا يدري أحد منا اسمه الحقيقي، مع نقل الأستاذ مانع من قسم إدارة المحاكم قبل عامين تقريبًا، ولا أحد منا يدري أين كان قبل ذلك. لا نعلم تحديدًا لماذا ينفعل مانع كلما وقعت عيناه على الدرويش، ربما يذكّره الدرويش بنقله من إدارة المحاكم. فقد كان هناك الكل في الكل، وإن لم أكن مخطئًا كان الدرويش يقف أحيانًا في ساحة المحكمة قبل أن يستقر هنا بصفة مستمرة.

واصل محمود كلامه: كما تعلم أن عصبية مانع أدخلته في مشاكل كثيرة، وآخرها صراخه بألفاظ لا تجوز إطلاقًا على مدير قسم المالية، وهو بدرجة وكيل وزارة، عندما أعيدت إليه أحد المعاملات الناقصة، فتمّت إحالته إلى التحقيق، ووصلت أوراقه إلى الوزارة، لكن مرّ زمن طويل جدًا دون أن ندري ماذا حدث له نتيجة هذا التحقيق، حتى نسي الموظفون المشكلة نفسها.

استمر الدرويش في الوقوف، واستمر الناس في حثّه على ترك تلك الحالة الغريبة، والخوف عليه من أن تصيبه ضربة شمس أو الجفاف من حالة التعرّق الشديد والشمس الحارقة، إلى أن حدث ذات يوم الحادثة التي قلبت كل الموازين والمشاهد. كان مانع يحاول إصلاح كرسيه الدوّار، ففكّ أحد أرجل الكرسي، وفجأة نظر من النافذة فرأى دفع الله واقفًا، مواجهًا لمكتبه مباشرة، فصاح فيه: إنت ما تتعب من الوقفة دي؟ الواحد لازم يصابحك أول حاجة قبل ما يبدأ يومه؟ لكنه هذه المرة، حينما تجاهله دفع الله، قذفه بصامولة كانت في يده، فأصابته مباشرة في جبهته فسال الدم وملأ ملابسه المتسخة.

قفزت من الشباك وركضت مسرعًا تجاهه، أخرجت منديلي وضغطت على الجرح حتى توقف الدم. فقال لي دفع الله بصوت متحشرج: الله يرضى عليك.. كانت أول وآخر مرة أسمع فيها صوته. تجمّع المارة وغسلوا وجه الدرويش. قال أحدهم: الأفضل أن نأخذه للمستشفى القريب لعمل ضمّادة له. لكن الدرويش لم يتزحزح من مكانه، فقد بقي وقت طويل لأذان الظهر، فقد كانت الساعة العاشرة تمامًا.

تأكدت من توقّف الدم وذهبت للصيدلية القريبة على الشارع العام، وأحضرت بعض الضمادات والمطهرات، رغم اقتناعي بعدم جدواها مع تلك الملابس المتسخة والشعر الكثيف الذي يسيل منه العرق باستمرار. رجعت إلى مكتبي، وقبل أن أصل إليه، دلفت إلى مسؤول البريد لأخذ البريد وتوزيعه على المكاتب المختلفة بعد التأشير عليه بالملاحظات واللوائح، وكتابة التعليمات الواردة في الخطابات.

وضعت الخطابات على طاولة المكتب، وأخذت سكين فتح الخطابات، وامسكت بأول خطاب، وكان من الرئاسة العامة بالوزارة، ومن لجنة التحقيقات تحديدًا. كان الخطاب معنونًا إلى مدير شئون الموظفين بالوزارة، وبصورة لنا بالمالية، وكان أول سطر فيه الموضوع: الاسم الرباعي للموظف مانع وقرار من سطر واحد، وهو إيقافه عن العمل اعتبارًا من تاريخ اليوم، وعلى إدارة شئون الموظفين إنفاذه فورًا وإبلاغ المذكور بالقرار.

نظرت من الشباك أبحث عن الدرويش، لكنه لم يكن موجودًا في مكانه المعهود، ولم يكن الظهر قد أذن بعد.

لم يظهر الدرويش منذ ذلك اليوم، وكأنه قد أكمل عقوبته أو مهمته..

#ملف_الهدف_الثقافي #قصة_قصيرة #الشيخ_فرح_محمد_الحسن #أدب_سوداني #دراويش #سرد #ثقافة #صحيفة_الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.