سفر الخروج

صحيفة الهدف

إنعام كجه جي

روائية عراقية

لم يُقدّر لأي منَّا أن يشهدَ يوم القيامة لكنَّني رأيت حشرًا، بالمعنى الدنيوي لا الديني، في معرض القاهرة الحالي للكتاب. حدثتِ الرؤية مساء الـ26 من يناير في الثامنة مساء، موعد انتهاء الدّوام وخروج الزوار من قاعات العرض. الآلاف يتزاحمون في الشارع للفوز بوسيلة نقل تعود بهم إلى بيوتهم. سمفونية منبهات واصطفاف حافلات نقل عمومية تتوجّه إلى مختلف مناطق العاصمة والمئات من سيارات الأجرة والميكروباصات، تناورها من جميع الجهات تكاتك ودراجات بخارية في سباق مروريّ صاخب. مهرجان لأناس متعبين لكن سعداء. عيد قبل العيد.

كنا مساء الاثنين. يوم “طبيعي” وليس عطلة الأسبوع. ذهبت قبلها إلى المعرض يوم الجمعة ورأيت العجب. لم يحدث في حياتي أن شاهدت كلَّ تلك الجموع تحت سقف واحد. كتب المعلقون أَّن المعرض استقبل مليونَ زائر في تلك الجمعة. رقم لا يحلم بربعه أشهر المناسبات الثقافية في العالم. تفهم معنى “التدافع بالمناكب” على الطبيعة بعد أن كنت تكتبها مجازًا. يأتي كثيرون وهم يدفعون حقائب سفر بعجلات لنقل مشترياتهم من الكتب. هذا مع ملاحظة أنَّ الأسعار باتت فوق قدرة الطلبة وصغار الموظفين.

وقفت سعيدة على الرصيف ترافقني دهشتي ويحوطني زميلي الهمام سيد علي من صحيفة (الأخبار). ومفردة الوقوف لا تفي بالغرض، لأنَّك مجبر على الانزياح يمنة ويسرة، صعودًا ونزولًا، نطًا ورقصًا والتفافًا، لتفادي الاصطدام بالذين أرهقهم المشي في ممرات دور النشر. ومن قلب الدهشة يطرأ على البال مصطلح (الفوضى الخلاقة). هذه ليست فوضى عشوائية فارغة من المعاني، بل اجتماع جمهور على محبة الكتاب. 1457 دار نشر من 83 دولة. يقصدون المعرض من القاهرة وخارجها، من مصر وخارجها، لكي يتفرّجوا على كتبيين يجتهدون للحفاظ على نبض النَّص المطبوع على الورق.

(الفوضى الخلاقة) مفهوم ارتبط بوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس. استخدمته في سياق الحديث عن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”. المقصود تفكيك ما يستحيل إصلاحه وإعادة تركيبه ليتوافق مع المصالح السائدة. والسؤال اليوم هو: إلامَ يمكن للكتاب الورقي أن يقاوم؟ يبدو أننا بلغنا مرحلة التفكير بتفكيك المنظومة الورقية، والتسليم بالوسائل الإلكترونية الحديثة للحصول على المعرفة.

يقصد معرض القاهرة مئات المؤلفين والروائيين والشعراء العرب، والمستعربين الأجانب. تصطخب أجنحة دور النشر بالعناقات والسلامات. أهل البلد يغدقون المشاعر الطيبة على الأصدقاء الضيوف. وطقس القاهرة ربيعيّ دافئ. وشمسها لذيذة. وليلها مزيّن بهلال ساطع في بداياته. لكن كل هذه الكتب تصيبني بما يشبه الإحباط. عناوين جذابة تحتاج إلى عمر إضافي لالتهامها. يفرح القلب حين يتابع أطفالًا دون العاشرة جاءوا مع أمهاتهم للتفرج على الكتب المخصصة لمرحلتهم. يقتنون كراسات التلوين ويتأبّطونها بأذرع نحيلة. ومن يقرأ صغيرًا فلا بد أن تلازمَه هذه الفضيلة عندما يشبّ ويكبر. أم أنني أحلم وأتناسى ما تفعله الشاشات بأبنائنا؟

#ملف_الهدف_الثقافي #إنعام_كجه_جي #معرض_القاهرة_للكتاب #ثقافة #أدب #مصر #الكتاب_الورقي #القراءة #صحيفة_الهدف #العراق

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.