روايات.. بالذكاء الاصطناعي

صحيفة الهدف

حنان بديع

كاتبة وشاعرة لبنانية

ضجّت مواقع التواصل مؤخرًا بجدل حول ظهور روايات مكتوبة بالذكاء الاصطناعي في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. وفي المقابل، رأى محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، أن وجود مثل هذه الروايات “أمر وارد”، مشيرًا إلى أنه حدث سابقًا.

لكن السؤال الأهم: ما الذي ينقص الروايات إذا كُتبت بالذكاء الاصطناعي؟ للوهلة الأولى، قد يبدو الجواب سهلًا: النص متماسك، اللغة سليمة، الحبكة محبوكة، الشخصيات مقنعة، والإيقاع محسوب بدقة. لكن الأدب، بخلاف ما توحي به الشاشات، ليس مسألة إتقان فقط. ما ينقص الرواية الآلية هو الذاكرة: ذاكرة الجسد، الخوف، الانتظار، الخسارة، والرغبة. فالآلة تعرف كيف تُسمّي الألم، لكنها لم تختبر يومًا ثقله على الصدر عند منتصف الليل. الرواية الحقيقية لا تُكتب من فائض المعلومات، بل من نقص داخلي، في الفهم، الطمأنينة، والإجابات.

الكاتب يكتب لأنه لا يعرف، بينما الذكاء الاصطناعي يكتب لأنه يعرف كل ما كُتب سابقًا. ثم هناك عنصر الصوت: ليس مجرد أسلوب لغوي، بل طريقة في رؤية العالم، في الانحياز، في الخطأ، وفي التورّط الأخلاقي. الآلة لا تخطئ عن قناعة، ولا تُصرّ على فكرة لأنها تؤلمها أو تشبهها.

الروايات التي غيّرت تاريخ الأدب كانت محرجة، غاضبة، ناقصة، أحيانًا فوضوية.. لكنها صادقة. أما الذكاء الاصطناعي، فذكي بما يكفي ليتجنّب الفضيحة، الجرأة، والانكسار. الأدب ليس محاكاة للحياة، بل مواجهة معها، والرواية ليست نصًا جميلًا فقط، بل موقفًا من السلطة، الجسد، المرأة، الهزيمة، والموت.

الخطر، برأيي، ليس في أن تكتب الآلة روايات، بل في أن يبدأ البشر بالكتابة مثلها: نصوص نظيفة، متقنة، بلا روح، بلا مخاطرة، بلا وجع. ربما لا ينقص الرواية التي يكتبها الذكاء الاصطناعي شيء.. لكن ما ينقصها هو نحن بكل بساطة. نحن نكتب لأننا هشّون، لأننا نخاف، لأننا نريد أن نفهم، لا أن نُحاكى. وما دام الإنسان قادرًا على الألم، ستظل الرواية الحقيقية فعلًا إنسانيًا لا يُستنسخ.

#ملف_الهدف_الثقافي #الذكاء_الاصطناعي #الأدب #الرواية #نقد #حنان_بديع #معرض_القاهرة_للكتاب #ثقافة #صحيفة_الهدف #الإبداع_البشري

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.