المثقف السوداني بين القمع والشتات

صحيفة الهدف

يحيى بن عوف

المثقف المستنير، في جوهره، حالة نقدية لدورة الظلام. يعاني المثقف من وجود الأنظمة ذات الطبيعة الأحادية، التي تحيا في سوادها على حساب الوعي والإبداع. في بعض الأحيان، يضطر المثقف إلى المنفى، حتى لا يتحول حضوره النقدي إلى حالة من العفونة المعرفية التي تخلقها مواجهة الظلم المباشر، والتي قد تؤدي إلى تشكّل دورة استنارة مضادة للوعي الظلامي السائد.

أنجزتُ إحصاءً تقديريًا للمثقفين السودانيين خارج الوطن، فتبيّن أن عددهم يتجاوز أربعمائة ألف، يشملون كتابًا وأدباء وصحفيين وشعراء وفنانين وأطباء ومهندسين وأكاديميين، موزعين بين مهاجرين ومغتربين ومنفيين، بعضهم طوعي، وغالبيتهم قسري.

السبب الأساسي لهجرة هذه النخبة يعود إلى أساليب القهر المادي ومصادرة الحقوق المدنية والسياسية التي اتبعها نظام الجبهة الإسلامية. أدت هذه الموجات الأخيرة من الهجرة إلى تكوين لبّ ظاهرة الشتات الثقافي السوداني المعاصر، وأسهمت في تأسيس كيانات سياسية ونقابية وثقافية خارج الوطن.

لقد درجت الأنظمة الأحادية على استخدام كل الوسائل لتطويع المثقفين أو تأطير عطائهم وفق ما يتماشى مع توجهها، وتشمل هذه الوسائل فرض القيود والرقابة، واضطهاد الفكر، وملاحقة أي إنتاج فكري لا يخضع للتأطير السياسي. ولهذه الأسباب لم تتحول التجربة السودانية إلى مشروع روائي واسع الحضور بسبب القمع المستمر والـ ح.رب المستمرة التي قضت على الأخضر واليابس.

لكن ظاهرة الشتات الثقافي ليست حكرًا على السودان؛ فهي موجودة في تجليات أفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية جنوبية. لم يترك جنرالات أمريكا اللاتينية غارسيا ماركيز يكتب رواياته في كولومبيا، فاختار منفاه بين فرنسا وإسبانيا. وكانت باريس في ستينيات القرن العشرين مأوى للعديد من الروائيين والكتاب القادمين من مناطق مختلفة، مثل المبدعين في الأدب الزنجي أمثال بولدوني، الذين فرّوا من جحيم العنصرية ليخلقوا شتاتهم. كما كانت وطنًا روحيًا وثقافيًا للقادمين من إيرلندا وأوروبا الشرقية، مثل جويس وبيكيت وكافكا وأربال وغيرهم من رموز ثقافة القرن العشرين.

كتب الطيب صالح روايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال) في منتصف ستينيات القرن العشرين، بدأ بتأليفها خلال إجازة في جنوب فرنسا عام 1962، ثم توقف لفترة قبل أن يكملها. نُشرت الرواية لأول مرة بشكل متسلسل في مجلة (حوار) البيروتية عام 1966، قبل أن تصدر كتابًا عن دار العودة ببيروت.

تبدو ظاهرة الشتات وكأنها اختيار دفين لأنظمة الحكم الأحادية، إذ تدفع المثقفين إلى الرحيل بشكل يبدو وكأنه قرار شخصي بطولي. الشتات ليس خيارًا للمثقف، بل هو شكل من أشكال الإقصاء الخفي، بأبعاد تدفعه إلى اتباع مسارات بعيدة عن الوطن، حيث يمكنه التعبير بحرية. أما داخل الوطن، فهناك المعتقل، والمصحة، والمقصلة، والملاحقة المستمرة لكل من يتجرأ على القول والحركة.

#ملف_الهدف_الثقافي #السودان #المثقف_السوداني #الشتات #أدب_المنفى #الطيب_صالح #حرية_الفكر #صحيفة_الهدف #لا_للـ_ح.رب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.