الخرطوم.. التي نحبّها

صحيفة الهدف

ندى أوشي

رجعتُ إلى الخرطوم، وكان الوجع يسبقني بخطوة، كأنه يعرف الطريق أكثر مني. كانت مدينةً لا تشبه نفسها، أو ربما أنا الذي لم أعد أعرفها كما كانت. الـ ح.رب مرّت من هنا وتركت أثرها في كل شيء، في الجدران، في الطرقات، في الهواء نفسه. شعرت كأن الحياة انسحبت فجأة، وتركت المكان واقفًا على أطلال صوته القديم.

الشوارع التي كانت تمتلئ بالناس، بالحركة، ببائعات الشاي وروائح القهوة وضحكات العابرين، صارت خاوية إلا من الغبار. لا تسمع سوى الريح وهي تمرّ بين البيوت، تصطدم بالأبواب المفتوحة والنوافذ المحطّمة، فتُصدر صوتًا يشبه الأنين. كنت أسير ببطء، أبحث بعينيّ عن وجه مألوف، عن دكانٍ مفتوح، عن طفل يركض، لكن كل شيء بدا ساكنًا، كأن الزمن توقف هنا وترك المدينة معلّقة بين الأمس واليوم.

البيوت على جانبي الطريق بدت كأنها تُحدّق في العابرين بحزن. أبوابٌ مفتوحة “كأن أصحابها خرجوا على عجل ولم يجدوا طريق العودة”، ستائر مهملة تتحرك مع الهواء، وجدران تحمل آثار الرصاص والشظايا. كل زاوية تهمس بحكاية خوف، وكل شارع يروي قصة رحيلٍ مفاجئ. شعرتُ أن الخرطوم صارت مدينة مهجورة تنتظر من يعيد إليها نبضها، مدينة بلا روح، لكنها ما زالت تتشبث بالأمل في مكانٍ ما. حين اقتربت من منزلي، تسارعت ضربات قلبي. توقفت لحظة أمام الباب، أستجمع شجاعتي قبل الدخول. كان الباب مكسورًا “كأن أحدهم اقتحمه بلا تردّد”، فشعرتُ أن شيئًا انكسر داخلي أيضًا. دفعت الباب ودخلت ببطء، كأنني أخشى مواجهة ما سأراه.

في الداخل، كانت الفوضى تملأ المكان. الأثاث في غير موضعه، الأدراج مفتوحة، الأغراض مبعثرة، أشياء مكسورة وأخرى اختفت تمامًا. شعرت كأن غرباء دخلوا ليسرقوا الأشياء فحسب، بل ليمسّوا ذكرياتي أيضًا. كل زاوية في البيت كانت تحمل ذكرى، وكل غرفة تذكّرني بلحظة فرح أو حديث عابر أو ضحكة مرّت. الآن بدا كل شيء غريبًا، كأن البيت نفسه لم يعد يعرفني..

جلستُ للحظة وسط هذا الخراب، وشعرت بثقلٍ في صدري. لم يكن الألم على الأغراض المفقودة، بل على الإحساس بالأمان الذي كان يسكن هذا المكان ثم غادر. البيت لم يعد ملاذًا، بل صار شاهدًا على ما مرّ بنا جميعًا.

في الخارج، لم تكن أصوات الصواريخ والدانات تتوقف. كانت تهز الأرض وتهزّ القلب معها، وتذكّرني بأن الـ ح.رب لم تنتهِ تمامًا بعد. في الشوارع كان المسلحون ينتشرون في كل مكان، يحملون أسلحتهم ونظراتهم تزيد الشعور بالخوف وعدم الأمان. الناس يتحركون بحذر، ومن بقي منهم بدا كأنه يعيش بين الرحيل والبقاء، لا يعرف أيّهما أقرب.

في تلك اللحظة أدركت أن الخرطوم التي عرفناها قد تغيّرت، وأن الـ ح.رب لم تسرق المباني فقط، بل سرقت الطمأنينة من قلوب أهلها. ومع ذلك، وسط كل هذا الخراب، كنت أرى شيئًا خافتًا يشبه الأمل؛ امرأة تنظّف أمام بيتها، رجل يصلح بابًا مكسورًا، طفل يحاول اللعب في شارعٍ صامت. كأن الحياة، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.

كانت عودتي إلى الخرطوم مليئة بالحزن والخوف والحنين، لكنها كشفت لي أيضًا حجم ما تحمّلته هذه المدينة وأهلها. ورغم كل ما رأيت، ما زلت أؤمن أن الخرطوم ستنهض يومًا، وستعود أصوات الناس تملأ شوارعها، وتفتح البيوت أبوابها من جديد لا خوفًا بل ترحيبًا، وتعود مدينةً للحياة (لا للـ ح.رب)، مدينة تعرف كيف تداوي جراحها وتبدأ من جديد.

#ملف_الهدف_الثقافي #الخرطوم #السودان #حنين #ذاكرة #العودة #أدب #صحيفة_الهدف #قصص_من_الـ_ح.رب #الأمل

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.