وعي التاريخ وتحول المعركة: فلسفة الزمن النضالي عند دكتور إلياس فرح في ضوء الفكر البعثي

صحيفة الهدف

أ‌. البخيت النعيم                                                    أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

لطالما كانت المعارك تُخسر حين تُدار بنظرة أحادية للزمن، بالحاضر وحده، فتنفجر اندفاعةً بلا جذور وبلا أفق، أو بالماضي وحده، فتصير حنيناً متحجراً بلا واقعية، أو بالمستقبل وحده، فتتحول إلى يوتوبيا طائشة بلا قاعدة. وفي هذا الثالوث الزمني يكمن سر الفعل التاريخي الفاعل، وهي فكرة تتكرر في أدبيات دكتور إلياس فرح ومحاضراته حول الوعي التاريخي، ويمكن تلخيصها في الدعوة إلى إدارة الصراع بوعي الماضي والحاضر والمستقبل. فليست هذه العبارة مجرد شعار تكتيكي، بل هي نظرية فلسفية في الفعل السياسي تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن، وبالتاريخ، وبالقدرة على التغيير، إذ تقترح أن النضال الناجح هو ذلك الذي يستطيع أن يعيش في ثلاثة أزمنة في آن واحد، لا أن ينتصر لأحدها على حساب الآخرين.

هذه الرؤية للزمن ليست اجتهادًا منفصلاً عند دكتور إلياس فرح، بل هي امتداد عضوي لفلسفة التاريخ في الفكر البعثي منذ الأساتذة (ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي). فحزب البعث، منذ تأسيسه، لم يفهم الأمة العربية بوصفها كيانًا جغرافيًا فحسب، بل بوصفها كيانًا تاريخيًا يعيش استمرارية حضارية وثقافية عبر الزمن. ولذلك كانت مفاهيم مثل (الرسالة الخالدة) فهي في الفكر البعثي ليست تعبيرًا إنشائيًا، بل تعبير فلسفي عن أن الأمة كيان يعيش استمرارية زمنية، وأن دورها التاريخي لا يُختزل في لحظة سياسية عابرة، بل في مسار حضاري ممتد، وهو ما يجعل الزمن عنصرًا مكوِّنًا في تعريف الأمة نفسها. و(الأمة الواحدة ذات الرسالة) تعبيرًا صريحًا عن فهم الزمن كحضور متصل للماضي في الحاضر والمستقبل. وجاء دكتور إلياس فرح ليمنح هذا الفهم بعده الفلسفي التحليلي، ويحوّله من شعار تاريخي إلى نظرية في إدارة الصراع والزمن النضالي، في رؤية تقترب من التصورات الفلسفية الحديثة للزمن عند هايدغر وريكور، حيث لا يُفهم الزمن كتعاقب لحظات، بل كبنية يعيشها الإنسان ويصوغ من خلالها فعله.

وقد عبّر دكتور إلياس فرح عن هذا المعنى بوضوح حين قال في كتابه القومية والتحرر: (إن الأمة التي لا تدرك تاريخها بوصفه قوة فاعلة في حاضرها، تتحول إلى كيان سياسي بلا ذاكرة، وبلا قدرة على المبادرة(.

في هذا الإطار، يتبدّى وعي الماضي لا كحِملٍ يقيّد الحركة، بل كجذر يمنحها الثبات والمعنى. فالماضي، في تصور فرح، ليس أرشيفًا ميتًا، بل ذاكرة نشطة تختزن الدروس والخبرات. وتجربة الثورة الجزائرية مثال دالّ على ذلك، إذ لم تكن ثورة نوفمبر ردّ فعلٍ آنيًّا على استعمار، بل استعادة لذاكرة مقاومة ممتدة منذ الأمير عبد القادر ومقاومة المقراني. وكذلك التجربة السودانية، حيث لم تكن الثورة المهدية حركة طارئة، بل امتدادًا لروح مقاومة تجذّرت في الوعي الجمعي عبر تاريخ طويل من مواجهة النفوذ الخارجي، حتى تُوِّجت بدولة وطنية مستقلة لسنوات. الدرس هنا واضح: المعارك لا تبدأ من الصفر، بل تتكئ على تراكمات قرون. وهذه الأمثلة لا تُذكر بوصفها وقائع تاريخية، بل بوصفها نماذج حية لكيفية اشتغال الوعي التاريخي في الفعل النضالي، حيث يتحول الماضي إلى طاقة دافعة في الحاضر.

والماضي، في الوقت ذاته، مصدر للشرعية والمعنى. فالأمة التي تنسى ماضيها تصير كشجرة بلا جذور. وقد عبّر ميشيل عفلق مبكرًا عن هذا المعنى حين قال إن الأمة ليست بنت يومها، بل بنت تاريخها، في إشارة إلى أن الحاضر لا يُفهم إلا بوصفه حلقة في سلسلة تاريخية ممتدة. غير أن وعي الماضي لا يعني التقديس الأعمى، ولا الاستغراق الحنيني، ولا استخدام التاريخ ذريعةً لتبرير الإخفاقات الحاضرة، بل يعني استلهامه نقديًا بوصفه رصيدًا للفعل لا ملاذًا للهروب.

أما وعي الحاضر، عند دكتور  إلياس فرح ليس قراءةً للواقع فحسب، بل تفكيكٌ لبنيته العميقة، حيث تتقاطع فيه آثار الماضي وإشارات المستقبل. فلا يعني الانفعال باللحظة، بل تشريحها بوصفها شبكة معقدة من العلاقات والقوى. فالوعي بالحاضر، كما يطرحه فرح، هو فهم الصراع كنسيج متداخل، لا كحدث معزول. ومن هذا المنظور يمكن قراءة ح.رب تشرين 1973 بوصفها قراءة دقيقة للحظة الاستراتيجية، كما يمكن فهم إخفاقات بعض تجارب الربيع العربي في ضوء غياب إدراك تعقيدات البنية الإقليمية والدولية. الحاضر، إذن، ساحة تفاعلية تُقرأ فيها التحالفات المتغيرة والموارد المتاحة، ويُشخَّص فيها المرض لا أعراضه، كما في قراءة الأزمات الاقتصادية العربية بوصفها نتيجة تبعية هيكلية وغياب تكامل حقيقي.

ويكتمل هذا الوعي بوعي المستقبل، لا كحلمٍ طوباوي، بل كمشروع واقعي. فالمستقبل عند فرح ليس تنجيماً، بل استشرافًا يستند إلى معطيات الحاضر وإمكاناته. وتجارب مثل سنغافورة أو اليابان بعد الح.رب العالمية الثانية تُظهر الفرق بين اليوتوبيا والمشروع المستقبلي القائم على رؤية وخطة. وفي السياق الفلسطيني، يتجلى ذلك في صياغة أهداف مرحلية تقود إلى الهدف النهائي، بحيث يصبح المستقبل معيارًا لتقويم قرارات الحاضر.

إن التفاعل الجدلي بين الأزمنة الثلاثة هو ما يمنح الفعل التاريخي معناه. فالماضي يفسر الحاضر، والحاضر يصوغ المستقبل، والمستقبل يعيد توجيه الحاضر. وحين ينفصل هذا الترابط، تظهر الأزمات؛ كما في تجارب تاريخية افتقدت التوازن بين هذه الأزمنة. وهذا الفهم هو ما يفسر رفض الفكر البعثي للنظرة السلفية التي تقيم في الماضي، وللنظرة الطوباوية التي تقفز إلى المستقبل، مؤكدًا أن الفعل التاريخي الحقيقي يتم في نقطة التقاء الأزمنة الثلاثة.

ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته «الزمن النضالي المتكامل» عند دكتور إلياس فرح، حيث يمنح الماضي الشرعية والهوية، ويوفر الحاضر الأرضية والموارد، ويعطي المستقبل الاتجاه والمعنى. وقد طبّق فرح هذه الرؤية في نقده للحركة القومية العربية، مميزًا بين تيارات تعيش في الماضي، وأخرى تقفز إلى المستقبل، وتيار تقدمي يجمع بين الأزمنة الثلاثة. والمشروع القومي البعثي نفسه قدّم نموذجًا لهذا التفاعل، إذ استلهم التراث الحضاري، وشخّص واقع التجزئة والتبعية، وصاغ مشروعًا وحدويًا ديمقراطيًا اشتراكيًا بوصفه أفقًا مستقبليًا.

وتظهر تطبيقات هذا الفهم في قضايا عربية معاصرة، من مواجهة التطبيع، إلى إدارة الأزمات الاقتصادية، إلى قراءة الصراع مع المشروع الصهيوني، حيث يصبح استحضار التاريخ، وفهم موازين الحاضر، واستشراف أثر القرارات على الأجيال القادمة عناصر مترابطة في إدارة المعركة. بهذا المعنى، يتحول الزمن عند دكتور إلياس فرح من عنصر يُستعمل لتبرير العجز والقدرية، إلى أداة لتحرير الإرادة، إذ يصبح الإنسان قادرًا على الفعل لأنه يفهم موقعه في مسار تاريخي ممتد.

في النهاية، لا تبدو عبارة دكتور إلياس فرح مجرد نصيحة تكتيكية، بل فلسفة وجودية في الفعل التاريخي. فهي تحوّل الزمن من إطار قدري إلى مادة للفعل الإنساني، وتجعل الإنسان فاعلاً في التاريخ لا منفعلاً به. إدارة المعارك بوعي الأزمنة الثلاثة تعني أن نحمل تراثنا دون أن يثقل كاهلنا، وأن نعيش واقعنا دون أن نستسلم له، وأن نتطلع إلى مستقبلنا دون أن نهرب إليه. تلك هي الفلسفة العميقة للفعل التاريخي: أن نكون جذورًا في الأرض، وسيقانًا في الحاضر، وأغصانًا تمتد نحو المستقبل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.