أ.د. محمد مراد
يأتي انعقاد المؤتمر القومي الأخير لحزب البعث العربي الاشتراكي ليسجّل الرقم (13) في التسلسل الزمني التتابعي لمؤتمراته القومية بين 1947 – 2026.
لم يكن انعقاد المؤتمر القومي في تاريخ الحزب النضالي مجرّد تقليد تاريخي أو ظرفية عابرة، وإنّما كان حدثًا وازنًا يتمثّل بمراجعة مسؤولة للتجربة النضالية المسارية، التي خاضها الحزب على طريق أهدافه الاستراتيجية في استنهاض الأمّة العربية، وتحشيد نضالات جماهيرها لمواصلة توحّدها القومي وبناء مجتمعها الوحدوي التحرري الاشتراكي.
استمرّت مسيرة الحزب النضالية منذ مؤتمره التأسيسي الأول ( نيسان 1947 )، وصولًا إلى مؤتمره الثالث عشر الأخير ( كانون الثاني 2026 )، استمرّت تقوم على ثنائية التحدّي والاستجابة، وهي ثنائية جدلية تعمل على توصيف دقيق للتحدّيات الضاغطة على الأمّة في وجودها وهويّتها الحضارية ورسالتها الإنسانية من جهة، والتخطيط النضالي عبر تجنيد الطاقات الجماهيرية والكفاحية والسياسية والفكرية، كلّ ذلك في سبيل التمكّن من مجابهة التحدّيات والاستجابة لإنجاز انتصارات جديدة ترتقي بها الأمّة إلى مصافات متقدّمة في سلّم الأهداف الكبرى في الوحدة والتحرر والبناء الاشتراكي من جهة أخرى.
على قاعدة الثنائية المشار إليها، وبهدف تقييم وتقويم التجربة النضالية المسارية في ممارسات الحزب، كانت تعقد مؤتمراته القطرية والقومية لتشكل محطات مراحلية لمراجعة مسيرة الحزب الإنجازية من ناحية، وتوفير مستلزمات المواجهة للتحدّيات ومعاودة المراكمة للنهوض والتقدّم نحو الأهداف الكبرى للأمّة العربية ومستقبلها من ناحية أخرى.
في ضوء هذا السياق المساري لتجارب الحزب، جاء انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر ليتوقّف عند جملة من التحدّيات مع تسجيل الاستجابات الكفيلة بالمواجهة لما فيه مصلحة مزدوجة للحزب والأمّة معًا.
أولًا: في التحدّيات
أبرز التحدّيات كانت على مستويين اثنين: خارجي ( دولي وإقليمي) وداخلي حزبي
1 – على المستوى الخارجي
توقّف المؤتمر طويلًا عند التحوّلات الدولية الفارقة في النظام الدولي، التي بدأت تظهر منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي من خلال مؤشرين اثنين: الأول، تمثّل بتراجع انحداري للقطب السوفياتي وصولًا لسقوطه كتجربة اقتصادية وسياسية في مطلع العام 1991، المؤشّر الثاني، تمثّل بنشوة ” الانتصار الوهمي” لرأسمالية الذروة الأميركية، التي أسرعت تعمل على تهيئة ساحات العالم، وبصورة خاصّة ساحة الوطن العربي لخصوصياته الجيوسياسية، من أجل توظيفها في استراتيجيتها الهجومية الاستباقية للتفرّد في الهيمنة على العالم، والتحكّم بمواقعه الجيو – استراتيجية وثرواته الاقتصادية تعزيزًا للإمبريالية المتوحّشة في مرحلة العولمة الجديدة.
صحيح أنّ الحزب عرض، بتحليلات معمّقة في مؤتمره القومي الثاني عشر، لمشهد التحوّلات المتسارعة في الوضع الدولي، لكنّه لم يتعرّض حينها للتداعيات الخطيرة، التي نجمت بعد ذلك على صعيد الهجوم الأميركي الذي راح يتكثّف باتجاه ضرب مواقع القوّة في مشروع النهوض القومي، الذي كانت تمثّله تجربة ثورة 17 – 30 تموز 1968 لجهة بناء الدولة الوطنية في العراق المتفاعلة بعمق مع المجال القومي على غير مستوى أمني واقتصادي واجتماعي وعلمي وسياسي. هي التجربة، التي أغاضت أميركا ومعها القوى الاستعمارية والشعوبية الإقليمية الحاقدة والرجعية الذيلية التابعة، كلّ هذه القوى راحت تتكتّل لإسقاط التجربة، ووضع نهاية لنظام البعث، الذي قادها لنحو 35 سنة، وهنا تنجلي الدوافع الخفية للح.روب الأربع، التي شنّت على العراق بين 1980 – 2003، التي أفضت إلى احتلاله وإسقاط نظامه الوطني، الأمر الذي أزاح المانع العراقي بوصفه خط الحماية والدفاع الشرقي عن الخليج والوطن العربي برمّته.
2 – على المستوى الإقليمي
فتح الاحتلال الأميركي للعراق شهيّة قوى إقليمية متربّصة بالوطن العربي، للاختراق والتغوّل والهيمنة تحت ستار الأيديولوجيا والمذهبيات السياسية، فراحت تمعن في التفكيك السياسي والمجتمعي لغير دولة في العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا وغيرها. لقد أدخل احتلال العراق المجال السياسي العربي برمته في توترات أمنية وأزماتية وح.روب أهلية مفتوحة مدعومة وموجّهة من الخارج الدولي والإقليمي.
كان العدو الص.هيوني الأكثر كسبًا واستفادة من حالة تلاشي وانهيار الدولة الوطنية العربية، ومن التشظّي الاجتماعي والسياسي بين تعدديات إثنية طائفية وعرقية وجهوية متناحرة، الأمر الذي بات يهدّد الهويّة الوطنية ومعها الهويّة القومية الجامعة.
لقد أتى بيان المؤتمر بصورة مكثّفة على واقع الحال الذي تعيشه الأمّة العربية في دولها ومجتمعاتها وهويّتها ومستقبل وجودها. وقد أظهر الحزب بوصفه حزب الأمّة الأكثر التصاقًا بماهيتها وجوهرها ورسالتها ومستقبل وجودها، استعدادًا ثابتًا لتحمّله المسؤولية التاريخية من خلال مارسمه المؤتمر في إطلاقه لاستراتيجية نضالية تربط بين المرحلي والاستراتيجي بصورة واضحة وقادرة على انتشال الأمّة من السقوط والرمي في المجهول.
ثانيًا: المؤتمر الثالث عشر والاستجابات المطلوبة
لمّا كان المؤتمر القومي قد أسهب في توصيف علمي – موضوعي لواقع الحال العربية، ولمّا كان أيضًا حزب البعث العربي الاشتراكي يمتلك تجربة نضالية زاخرة بالتضحيات المستمرّة من أجل خلاص الأمّة وتقدّمها وضمان مستقبلها كأمّة مخصوصة برسالة إنسانية هادفة إلى أنسنة العالم على مرتكزات قيمية أخلاقية وعدالة وسلام إنساني شامل، من أجل كل ذلك، فقد توصّل أعضاء المؤتمر إلى إرساء استراتيجية شاملة تستجيب للمواجهة، وتكون قادرة على الانتقال بالأمّة من حالة الانكشاف والانهيار والتردّي إلى اجتراح الآليات والقدرات الكفيلة بالتغلّب على التحدّيات الثقيلة ومعاودة النهوض والتجدّد.
بين أبرز الاستجابات التي تضمّنها بيان المؤتمر كانت على مستويات ثلاثة أساسية: تنظيمي ذاتي، قومي ودولي.
1 – على المستوى التنظيمي
أ – انعقاد المؤتمر، كان بحدّ ذاته بمثابة استجابة تأسيسية للردّ على التحدّيات والمحاصرة بعد مضي حوالي 33 سنة على انعقاد المؤتمر السابق القومي الثاني عشرعام 1993. جاء انعقاد المؤتمر الحالي، وبعد قوانين الاحتلال والعملاء باجتثاث البعث، جاء ليؤكّد على أنّ البعث وجود فكري لا يموت وفق المقولة الفلسفة الديكارتية.
ب – التخصيب الحزبي، وهو يعني معالجة الثغرات والاختلالات في البنيان الهيكلي العام للحزب بهدف توفير حالة من الخصوبة، التي تبقى أحد أهمّ الأسس للتماسك، وتعزيز المقوّمات الضرورية لمعاودة الدينامية الحراكية للحزب، وتنشيط الدورة الدموية النضالية كشرط معياري لترجمة شعارات النضال إلى إنجازات حقيقية ملموسة في واقع الحزب وأهدافه الكبرى.
ج – منح المرونة لمنظمات الحزب القطرية في التعامل مع الخصوصيات المختلفة بين قطر وآخر، مع الالتزام بالثوابت الاستراتيجية للفكر القومي للحزب.
د . تشجيع المؤتمر على ممارسة عملية النقد والنقد الذاتي بوصفها عملية جدلية دافعة نحو الارتقاء بالعمل الحزبي، وهنا يكمن دور المرجعية القيادية الأعلى في الحزب لتولي إدارة المتابعة والإشراف والضبط المركزي انسجامًا مع نظرية المركزية الديمقراطية التي يعتمدها حزب البعث في أدبياته التنظيمية كخصوصية.
ه – التأكيد على الشبابية في الحزب، من حيث أنّ الشباب هم القوّة الحاملة لنشاط الحزب وديمومته، وتجديد دينامياته الفكرية والنضالية والسياسية، وتحقيق أهدافه القومية. فقد أخذ المؤتمر بتوصية الشهيد القائد صدّام حسين الذي لفت في مؤتمر قومي سابق للحزب بالقول: ” أعطونا الشباب نملك المستقبل”.
و – تجديد الشرعية القيادية للحزب بانتخاب المؤتمر لقيادة قومية جديدة آلت على نفسها السهر على ترجمة استراتيجية الحزب، وقيادة النضال على طريق الأهداف التي رسمها المؤتمر لاستنهاض الأمّة وتقدّمها وصولًا لبناء مجتمعها القومي الوحدوي على مرتكزات الحريّة والعدالة الاجتماعية.
2 – على المستوى القومي
أ – التأكيد على بناء الدولة الوطنية العربية كأساس للانطلاق نحو بناء الدولة القومية الواعدة، دولة الأمّة الموحّدة والحرّة وذات السيادة.
ب – الدعوة إلى تطوير العمل العربي المشترك ، لاسيّما في مجال التكامل الاقتصادي وتفعيل المبادلات البينية عبر السوق العربية المشتركة، وتطوير آليات التواصل المعرفي والعلمي والاجتماعي والتكنولوجي بين سائر أقطار الوطن العربي لما يساعد على توفير مقوّمات الوحدة بينها في المستقبل.
ج – قيام الكتلة السياسية العربية التي تجمع بين مختلف فصائل قوى المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وهيئات وروابط سياسية واجتماعية على اختلافها. إنّ قيام مثل هذه الكتلة بات ضرورة تاريخية لمواجهة الأخطار المهدّدة للمستقبل العربي في وجوده وهويّته.
د – قيام الكتلة الشعبية العربية لمناهضة الاحتلالات الظاهرة والمقنّعة، ولمواجهة التفكيك السياسي والاجتماعي، ومناهضة التطبيع مع الكيان الص.هيوني الذي يسعى لاقتناص الفرصة الذهبية للانكشاف العربي، حتى يمكنه تحقيق مشروعه التوراتي في قيام دولته اليهودية الكبرى على حساب فلسطين والوطن العربي بكل أقطاره دولًا ومجتمعات.
ه – الدعوة إلى استيعاب مسألة الإثنيات والتعددية المجتمعية في كل أقطار الوطن العربي، وتعيين
الآليات الكفيلة بالاندماج في الاجتماع الوطني للقطر الواحد تمهيدًا لتعزيز الهويّة القومية العربية الواحدة، وهذه مسألة على درجة عالية من الأهمية لجهة كونها تحول دون التقسيم والتجزئة الكيانية إلى سلسلة من الكيانات المتناحرة والمتصارعة.
3 – على المستوى الدولي
دعوة المؤتمر لقيام الكتلة الدولية المناهضة للسياسات الإمبريالية في سعيها للاستحواذ على ثروات العالم وتوظيفها في الاتجاه الذي يخدم مراكمات شركاتها الرأسمالية في مرحلة العولمة الراهنة، ويسمح لرأسمالية القمّة الشركاتية الأمريكية بالتحكم في الاقتصاد والسياسة في العالم، ويتيح لأميركا بحجز قطبيتها الأحادية على قمّة النظام الدولي لعقود قادمة في القرن الحالي الحادي والعشرين.
في الختام
كلمة أخيرة بشأن المؤتمر القومي الثالث عشر، سيبقى هذا المؤتمر حدثًا مفصليًا ليس في تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي وحسب، وإنّما في تاريخ النضال القومي المعاصر، وسوف ستكون مقرراته في الاستجابة للردّ على التحديات الضاغطة على الأمّة العربية ومستقبل أجيالها محطة استلهام لهذه الأجيال للارتقاء بأمّة الرسالة الخالدة نحو تحقيق أهدافها الكبرى في الوحدة والحرية والاشتراكية.
وأختم مستحضرًا بعضًا من أبيات شاعر العروبة بمناداته البعث العربي الاشتراكي، حيث قال منشدًا:
قف شامخًا مثل المآذن طولًا وأبعث رصاصك وابلًا سجّيلًا
فليحرقوا كل النخيل بساحنا سنطلّ من فوق النخيل نخيل

Leave a Reply