تشخيص الأزمة والدولة العميقة في السودان . مدخل لفهم جذور الفشل المتكرر للانتقال الديمقراطي ،،،

صحيفة الهدف

بقلم / مهندس / عادل أحمد محمد

عندما نتساءل: لماذا تتعثر ثورات السودان وتفشل فترات الانتقال الديمقراطي؟ فإن الإجابة لا يمكن اختزالها في أخطاء السياسيين أو ضعف الحكومات المدنية وحدها. فهناك عامل بنيوي أخطر ظلّ يرافق كل التجارب السابقة، ويتمثل في ما يُعرف بـ “الدولة العميقة”.

ما هي الدولة العميقة في السودان؟

الدولة العميقة ليست تنظيماً سرياً محدداً، ولا مجرد مجموعة من الأفراد، بل هي شبكة مصالح معقدة ومتشابكة داخل مؤسسات الدولة نفسها. تتكوّن من تحالف غير معلن بين قيادات عسكرية وأمنية، وبيروقراطية إدارية راسخة، وطبقة اقتصادية منتفعة، إضافة إلى واجهات سياسية وإعلامية.

هذه الشبكة لا تتغير بتغير الحكومات، لأنها لا ترتبط بحزب أو نظام بعينه، بل بمصالح مادية وسلطوية تراكمت عبر عقود. ولذلك فهي قادرة على الصمود أمام أي تحول سياسي، بل وتملك القدرة على إفشاله من الداخل متى ما شعرت بأن نفوذها مهدد.

كيف تكوّنت تاريخياً؟

تكوّن الدولة العميقة في السودان لم يحدث فجأة، بل هو نتاج تاريخ طويل من الحكم الاستبدادي.

• في عهد الفريق عبود ترسخت هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي.

• وفي عهد النميري اتسعت الدائرة عبر سيطرة الأجهزة الأمنية والبيروقراطية الحزبية على مفاصل الخدمة المدنية.

• أما في فترة نظام الإنقاذ فقد بلغت هذه الظاهرة ذروتها، حيث جرى تمكين سياسي واقتصادي واسع، وتأسست شركات موازية، وأجهزة أمنية ذات نفوذ اقتصادي، وتمت إعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أسس الولاء لا الكفاءة.

ومع كل فترة حكم شمولي، كانت هذه الشبكة تزداد قوة وتغلغلاً، إلى أن أصبحت دولة داخل الدولة، قادرة على تعطيل أي تغيير حقيقي يهدد امتيازاتها.

ما أدواتها الاقتصادية والأمنية؟

تمتلك الدولة العميقة عدة أدوات فعّالة، أهمها:

1. القبضة الأمنية والعسكرية:

السيطرة على مفاصل الجيش والأجهزة النظامية، واستخدامها كوسيلة ضغط سياسي لإجهاض أي مشروع إصلاحي.

2. الاقتصاد الموازي:

شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات التابعة للأجهزة النظامية أو لرجال أعمال مرتبطين بها، تعمل خارج الرقابة والمحاسبة، وتشكّل مصدر تمويل ضخم لمراكز النفوذ.

3. البيروقراطية المتجذرة:

آلاف الموظفين الذين ترقّوا على أساس الولاء السياسي، ويملكون القدرة على تعطيل القرارات الحكومية وإفراغها من مضمونها.

4. الإعلام وتشكيل الرأي العام:

استخدام المنابر الإعلامية التقليدية والحديثة لتشويه القوى المدنية وبث الإحباط وفقدان الثقة في أي تجربة ديمقراطية.

5. التحالفات الاجتماعية والقبلية:

استنفار الولاءات الضيقة عند الحاجة، وإثارة النزاعات لإضعاف الجبهة الداخلية للقوى المطالبة بالتغيير.

بهذه الأدوات استطاعت الدولة العميقة أن تبقى اللاعب الأقوى، حتى بعد سقوط الأنظمة التي أنشأتها.

لماذا تُفشل فترات الانتقال؟

لأن أي انتقال ديمقراطي حقيقي يعني بالضرورة:

• إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية،

• تفكيك الامتيازات الاقتصادية،

• إصلاح الخدمة المدنية،

• محاسبة الفساد.

وكل ذلك يتعارض جذرياً مع مصالح هذه الشبكة. لذلك تعمل دائماً على إرباك المشهد، واختراق قوى الثورة، وإثارة الصراعات، وصولاً – عند اللزوم – إلى الانقلاب الصريح، كما حدث في 25 أكتوبر 2021.

كيف يمكن تفكيكها دون انهيار الدولة؟

هنا تكمن المعضلة الكبرى. فالدولة العميقة متغلغلة داخل مؤسسات حيوية، وأي محاولة تفكيك غير مدروسة قد تؤدي إلى فراغ خطير. لذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى مقاربة متدرجة وذكية تقوم على:

1. إرادة سياسية مدنية موحدة تمتلك برنامجاً واضحاً للإصلاح.

2. إصلاح قانوني ومؤسسي يضمن استقلال القضاء وهيئات الرقابة.

3. إخضاع الأنشطة الاقتصادية للأجهزة النظامية لوزارة المالية والرقابة العامة.

4. إعادة هيكلة الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والمهنية لا الولاء.

5. إصلاح القطاع الأمني والعسكري ضمن عملية انتقال متفق عليها.

6. مصالحة وطنية قائمة على العدالة الانتقالية حتى لا يتحول التفكيك إلى انتقام سياسي.

هذه العملية تحتاج زمناً وصبراً وخبرة، لكنها الطريق الوحيد لبناء دولة حديثة مستقرة.

خلاصة

إن فهم طبيعة الدولة العميقة هو المفتاح الحقيقي لتشخيص أزمة السودان السياسية. فالمشكلة ليست فقط في ضعف القوى المدنية، بل في وجود بنية راسخة تعمل بصورة منهجية لإعادة إنتاج الاستبداد.

وما لم تُخض معركة الإصلاح المؤسسي بصورة واعية ومدروسة، ستظل الثورات تتكرر، والانقلابات تتوالى، والديمقراطية حلماً مؤجلاً.

إن تفكيك الدولة العميقة ليس شعاراً سياسياً، بل مشروع وطني طويل النفس، بدونه لن يولد السودان الجديد الذي حلمت به الأجيال .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.