قلم : ماجد الغوث
السرية والعلنية بين ضرورات السياسة ومتطلبات المرحل ….
قراءة تحليلية في ظروف المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث ..
تثار في كل محطة سياسية مفصلية أسئلة كثيرة حول طبيعة العمل السياسي والتنظيمي، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمؤتمرات والقرارات الكبرى. ومن بين أكثر الأسئلة تكراراً: لماذا تُعقد بعض الاجتماعات بسرية؟ ولماذا لا يُعلن عنها في حينها؟ وهل تتعارض السرية مع مبدأ الشفافية السياسية
هذه الأسئلة عادت إلى الواجهة بقوة بعد انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي أحاطت به، سواء على مستوى المنطقة أو على مستوى التحولات الكبرى التي شهدتها قوى المقاومة، ولا سيما الضربات التي تعرّض لها حزب الله، والاغت.يالات التي طالت قيادات بارزة في محور المقاومة، إضافة إلى التطورات المرتبطة بإيران ودورها الإقليمي.
أولاً: ظروف انعقاد المؤتمر
لم ينعقد المؤتمر القومي الثالث عشر في ظروف عادية. المنطقة بأسرها كانت – وما زالت – تعيش حالة من التوتر غير المسبوق:
• تصاعد الاعتداءات الإس.رائيلية على لبنان وغزة وسورية.
• اغت.يال عدد من القيادات المحورية في المقاومة.
• استهداف مباشر للنفوذ الإيراني في المنطقة.
• ضغوط سياسية وإعلامية وأمنية هائلة على كل القوى المناهضة للمشروع الص.هيوني
في مثل هذه الأجواء، يصبح العمل السياسي التقليدي أمراً بالغ الصعوبة، وتتحول مسألة الإعلان أو السرية إلى قرار استراتيجي يرتبط بالأمن القومي قبل أن يكون مسألة إعلامية.
من هنا يمكن فهم لماذا اختار الحزب أن يتم عقد مؤتمره بعيداً عن الأضواء، ولماذا لم يُعلن عنه إلا بعد اكتمال أعماله وصدور بيانه الختامي.
ثانياً: السرية كأصل من أصول العمل السياسي
السرية ليست اختراعاً حزبياً أو تنظيماً حديثاً، بل هي مبدأ معمول به منذ أقدم العصور، سواء في العمل السياسي أو العسكري أو حتى الديني. وكما أن للعبادات أصولاً تنظّمها، فإن للعمل السياسي أيضاً قواعد تحكمه، ومن بينها التوازن بين السرية والعلنية
أهمية السرية في العمل الوطني
1. حماية المعلومات الحساسة
في أوقات الصراع، تتحول المعلومة إلى سلاح. وأي تسريب غير محسوب قد يعرّض أشخاصاً أو خططاً أو مؤسسات للخطر. لذلك تصبح السرية ضرورة لا ترفاً.
2. ضمان سلامة القيادات والكوادر
الإعلان المسبق عن المؤتمرات أو الاجتماعات قد يجعلها هدفاً مباشراً للأعداء، خاصة في ظل قدرات استخباراتية عالية يمتلكها الخصوم.
3. تعزيز حرية النقاش الداخلي
الاجتماعات المغلقة تسمح بحوار أكثر جرأة وصراحة، بعيداً عن ضغوط الإعلام والرأي العام، وهو أمر ضروري لاتخاذ قرارات مصيرية.
4. القدرة على التخطيط الاستراتيجي
العمل السري يمنح التنظيم فرصة دراسة الخيارات بهدوء، ووضع خطط بعيدة المدى دون تشويش أو تدخل خارجي
ثالثاً: حدود السرية ومخاطره
على الرغم من أهمية السرية، فإن الإفراط فيها قد يؤدي إلى نتائج سلبية، من بينها:
• فقدان الثقة بين القيادة والجماهير.
• فتح الباب أمام الشائعات والتأويلات.
• إمكانية وقوع تجاوزات أخلاقية أو تنظيمية دون رقابة.
لذلك فإن السرية لا يمكن أن تكون نهجاً دائماً، بل أداة تُستخدم عند الضرورة وضمن ضوابط واضحة.
رابعاً: العلنية كضرورة سياسي
في المقابل، تشكّل العلنية ركناً أساسياً في أي عمل سياسي حديث، وذلك لعدة أسباب:
1. تعزيز الشفافية
الجماهير تحتاج إلى معرفة ما يجري باسمها، والعلنية هي الوسيلة الأساسية لبناء جسور الثقة.
2. المساءلة والمحاسبة
الإعلان عن القرارات والتوجهات يسمح بمراجعتها ونقدها وتصويبها.
3. المشاركة الشعبية
العمل العلني يتيح توسيع قاعدة المشاركة، ويحوّل القرار السياسي إلى فعل جماعي لا نخبوي.
4. كسب الرأي العام
في زمن الإعلام المفتوح، لا يمكن لأي قوة سياسية أن تعمل بمعزل عن جمهورها.
خامساً: الموازنة بين السرية والعلني
العمل السياسي الناجح هو الذي يجيد الموازنة بين هذين المبدأين. فلا سرية مطلقة تؤدي إلى الانغلاق، ولا علنية كاملة قد تعرّض الأمن الوطني للخطر
وفي حالة المؤتمر القومي الثالث عشر، يبدو أن الحزب اختار معادلة واضحة:
• سرية في التحضير والانعقاد لحماية المشاركين وضمان حرية النقاش.
• علنية في النتائج والبيان الختامي لإطلاع الجماهير على المخرجات والتوجهات
وهذا الأسلوب يتوافق مع ما هو معمول به في كثير من الدول والتنظيمات، حيث تُعقد الاجتماعات الاستراتيجية خلف الأبواب المغلقة، بينما تُعلن القرارات بعد اكتمالها.
سادساً: العلاقة مع التطورات الإقليمي
لا يمكن فصل مسألة السرية والعلنية عن السياق الإقليمي الأوسع. فالضربات التي تعرض لها حزب الله، والاغ.تيالات التي طالت قيادات في إيران ومحور المقاومة، تؤكد أن المنطقة تعيش مرحلة ح.رب مفتوحة بأدوات متعددة
وفي مثل هذه المرحلة، تصبح حماية القرار السياسي مسألة حياة أو موت، ويغدو الإعلان التفصيلي عن الاجتماعات والخطط نوعاً من المغامرة غير المحسوبة.
خاتمة:
إن الجدل حول السرية والعلنية سيبقى قائماً ما دام العمل السياسي قائماً. لكن الحكم على أي تجربة يجب أن يتم من خلال فهم ظروفها لا من خلال مقاييس مجردة.
المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث انعقد في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، وكان لزاماً أن تحكمه اعتبارات أمنية وسياسية دقيقة. ومن هنا فإن اختيار السرية في التوقيت، والعلنية في النتائج، يبدو خياراً منطقياً ومتوازناً ينسجم مع طبيعة المرحلة.
السرية والعلنية ليستا نقيضين، بل أداتان متكاملتان. والنجاح الحقيقي يكمن في معرفة متى نستخدم هذه، ومتى نلجأ إلى تلك، بما يخدم المصلحة الوطنية والقومية العليا .

Leave a Reply