المقاومة الشاملة: من ردِّ الفعل إلى الخيار الاستراتيجي في ضوء بيان المؤتمر القومي الثالث عشر 2026

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

لطالما جرى التعامل مع المقاومة في الوعي العربي المعاصر بوصفها حالة استثنائية، تُستدعى عند العدوان، وتُعلَّق عند التسويات، وتُختزل غالبًا في بعدها العسكري وحده. غير أن بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي يقدّم انتقالًا نوعيًا في فهم المقاومة، لا باعتبارها ردّ فعلٍ مؤقت، بل بوصفها خيارًا استراتيجيًا شاملًا، يتصل بطبيعة الصراع ذاته، لا بظروفه الآنية.

وقد عبّر البيان صراحة عن هذا الفهم حين أكد على ( وفي مجال تحديده استراتيجية العمل ، اعتبر المؤتمر بأن الأمة العربية ليست موضوعًا للهيمنة ولاساحة مفتوحة للتدخلات الاجنبية في شؤونها، وهي قادرة على استعادة المبادرة إذا ما توفرت لها معطيات الوعي والتنظيم والقيادة، كشروط لابد منها لنقل نضال الحركة التحررية العربية والحزب في طليعتها  من موقع المتلقي ورد الفعل إلى موقع الفعل النضالي الاستباقي والمنظم  ببعده القومي ومضمونه الاجتماعي، والاندفاع في المواجهة مع أعداء الأمة المتعددة المشارب والمواقع وعلى رأسهم قوى التحالف الصهيو – استعماري بكل الإمكانات والأشكال المتاحة إلى مستوى الالتحام السياسي استنادًا إلى قاعدة الحراك الجماهيري كقاعدة ارتكاز أساسية للتصدي  للاحتلال ولمشاريع العدوان والتفتيت والتطبيع وانطلاقًا من  إعادة الاعتبار لخيار المقاومة القومية الشاملة ، بوصفه خيارًا جذريًا قابلًا للتراكم وتحقيق الانتصار).

ينطلق البيان من حقيقة أساسية، وهي  أن الأمة العربية تواجه اليوم مشروعًا متكاملًا، لا يهدف إلى احتلال الأرض فقط، بل إلى تفكيك الإرادة، وتعطيل الوعي، وإلغاء القدرة على المبادرة. وفي مواجهة مشروع بهذا العمق، لا تكفي مقاومة جزئية، ولا تُجدي ردود الفعل الموسمية، مهما بلغت شجاعتها. فالمعركة، كما يحدّدها المؤتمر، هي معركة وجود وصيرورة، لا معركة حدود أو اتفاقات. من هنا، يعيد البيان تعريف المقاومة بوصفها منظومة متكاملة، تشمل:

1. المقاومة السياسية التي ترفض شرعنة الهيمنة،

2. المقاومة الثقافية التي تحمي الوعي من الاختراق.

3. المقاومة الاقتصادية التي تواجه التبعية.

4. المقاومة الاجتماعية التي تعيد بناء التضامن.

5. المقاومة المسلحة حيث تفرضها شروط الصراع.

هذا الفهم يحرّر المقاومة من اختزالها في السلاح وحده، دون أن ينتقص من مشروعيته حين يصبح ضرورة. فالسلاح، في الرؤية القومية التي يؤكدها المؤتمر القومي الثالث عشر، ليس بديلاً عن الوعي، ولا عن التنظيم، ولا عن السياسة، بل ذروتها حين تُستنفد الوسائل الأخرى.

وقد تجسدت هذه الرؤية الشاملة للمقاومة في التجربة الفلسطينية قبل غيرها، حيث لم تكن المقاومة فعلًا عسكريًا منفصلًا، بل حالة مجتمعية متكاملة تشكّلت فيها السياسة، والثقافة، والتعليم، والعمل النقابي، والعمل الشعبي، إلى جانب الكفاح المسلح، في نسيج واحد حافظ على القضية حيّة في الوعي العربي والدولي لعقود. فالمقاومة الفلسطينية لم تُحافظ على وجودها بقوة السلاح وحده، بل بقدرتها على تحويل المجتمع كله إلى حاضنة نضالية، وعلى إدارة صراع طويل النفس يجمع بين الفعل الميداني، والعمل الدبلوماسي، وبناء الرمزية الوطنية التي جعلت فلسطين معيارًا لصدق أي مشروع تحرري في المنطقة. وقد أثبتت التجارب التاريخية جدوى هذه الرؤية الشاملة، فالمقاومة الوطنية اللبنانية لم تعتمد على العمل العسكري وحده، بل ارتكزت أيضًا على بنى اجتماعية وخدمية وتعليمية عززت حاضنتها الشعبية. ومقاومة الجزائر جمعت بين العمل المسلح والدبلوماسي والنقابي، ومقاومة فيتنام حققت النصر عبر الربط الاستراتيجي بين الجبهات العسكرية والسياسية والدولية. أما مقاومة العراق للاحتلال الأمريكي (2003-2011) فقد قدّمت نموذجاً فريداً جمع بين العمل العسكري المتطور والتكيف التكتيكي المستمر، حيث استطاعت تحويل تكتيكات (الحرب غير المنتظمة) إلى أداة استنزاف استراتيجي دفعت بأعتى قوة عسكرية في العالم إلى الانسحاب، بعد أن جعلت تكلفة الاحتلال تفوق كل المكاسب المحتملة، في تجربة أثبتت أن المقاومة الشاملة يمكن أن تنتصر حتى في مواجهة تفوق عسكري ساحق.

ويميز البيان بوضوح بين المقاومة بوصفها فعلًا واعيًا، وبين العنف بوصفه تفريغًا للغضب. فالمقاومة التي لا تمتلك أفقًا سياسيًا، ولا تستند إلى قاعدة شعبية، ولا تنضبط برؤية وطنية وقومية، قد تتحول—من حيث لا تدري—إلى أداة استنزاف ذاتي، أو إلى مادة توظيف في صراعات الآخرين. ولهذا، يشدد المؤتمر على أن المقاومة ليست بطولة فردية، بل فعل جماعي منظم.

وفي هذا السياق، تكتسب فلسطين موقعها المركزي مجددًا. فالمقاومة الفلسطينية، كما يراها البيان، ليست قضية تضامن أخلاقي فحسب، بل جوهر الصراع العربي–الص.هيوني، ومقياس صدقية أي مشروع تحرري. فحين تُعزل فلسطين عن عمقها العربي، تتحول المقاومة إلى عبء محلي، وحين تُستعاد في إطارها القومي، تصبح رافعة وعي ومبادرة للأمة العربية كلها.

لكن البيان لا يحصر حديثه عن المقاومة في فلسطين وحدها. فالعراق، وسوريا، ولبنان، والسودان، واليمن، وليبيا —تمثل هذه الأقطار ساحات مختلفة لتجليات الصراع ذاته، وإن اختلفت أشكال الفعل المقاوم فيها باختلاف ظروفها. فالمقاومة الشاملة، كما يطرحها المؤتمر القومي الثالث عشر، تعني توحيد المعنى قبل توحيد الوسائل. واليوم، في ظل التطبيع المتسارع وتفكك الجبهة العربية، تكتسب المقاومة الفلسطينية أهمية مضاعفة، فهي لم تعد دفاعاً عن الأرض فحسب، بل دفاعاً عن معنى العروبة ذاته في زمن تصدع فيه الهويات وتتهاوى الثوابت.

ويولي البيان أهمية خاصة للبعد الشعبي في المقاومة. فلا مقاومة بلا جماهير، ولا صمود بلا التفاف اجتماعي. بل إن تحويل المقاومة إلى شأن نخبوي، أو عسكري صرف، هو أحد أسباب إنهاكها التاريخي. ولذلك، يؤكد المؤتمر أن استعادة المبادرة تمرّ عبر إعادة إدماج الجماهير في الفعل المقاوم، لا بوصفها وقودًا، بل بوصفها شريكًا واعيًا في القرار والمصير.

غير أن الانتقال من الفهم النظري إلى الممارسة الواقعية يطرح تحديات معقدة، منها، تفتت الساحات العربية، وتضارب المصالح الإقليمية، هيمنة النموذج الميليشيوي على حساب العمل المؤسساتي، والضغوط الدولية التي تحاول تحويل المقاومة من خيار تحرري إلى ورقة تفاوضية قابلة للتفكيك.

كما يربط البيان بين المقاومة والديمقراطية ربطًا عضويًا. فالمجتمع المُقصى لا يُنتج مقاومة مستدامة، والحرية ليست نقيض الصمود، بل شرطه. ومن هنا، فإن المقاومة الشاملة ليست نقيض السياسة، بل تعبيرها الأعلى حين تُغلق السبل الأخرى، وهي ليست نقيض الدولة، بل دفاعًا عن وظيفتها القومية حين تتعرض للاستباحة.

إن التحول من ردّ الفعل إلى الخيار الاستراتيجي يعني أن تُدرَك المقاومة بوصفها مسارًا طويل النفس، لا حدثًا عابرًا. مسارًا يحتاج إلى رؤية، وتنظيم، وصبر تاريخي، وقدرة على الربط بين اللحظة والهدف، وبين التضحية والمعنى.

ويتطلب التحول الاستراتيجي آليات عملية مثل: توحيد المرجعية الفكرية للمقاومة، وبناء شبكات تنسيق بين الساحات، و تطوير أدوات المقاومة الاقتصادية والثقافية، و إعادة بناء العقد الاجتماعي الداعم، وصياغة خطاب مقاوم عصري يخاطب الأجيال الجديدة.

بهذا المعنى، لا تصبح المقاومة خيارًا ظرفيًا، بل أسلوب وجود. فهي ليست ردًّا على العدوان فقط، بل رفضًا دائمًا لأن تُختزل الأمة العربية في موقع المتلقي للأحداث. وحين تُفهم المقاومة بهذا العمق، تتحول من فعل عسكري إلى مشروع حضاري، ومن ردّ فعل إلى صناعة مبادرة، ومن شعار تعبوي إلى مسار تاريخي طويل النفس.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.