ا. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
لم تعد الدولة الوطنية في الوطن العربي موضع إجماع، ولا حتى موضع دفاع. فبين من يحمّلها مسؤولية الهزائم، ومن يراها قيدًا على الوحدة، ومن يتعامل معها كغنيمة سلطة، تاه المعنى الأصلي للدولة، وانقلبت من أداة تنظيم وحماية إلى ساحة صراع واستباحة. في هذا السياق المأزوم، يأتي بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي ليعيد طرح السؤال من جذره: ما هي الدولة؟ ولماذا فشلت؟ وكيف يمكن إنقاذها دون التخلي عن الأفق القومي؟
وقد جاء في بيان المؤتمر نصٌّ واضح يؤكد على أن المؤتمر (لقد أفرد حيزاً واسعاً للمسألة الديمقراطية في الحياة السياسية العربية، وشدّد على أهميتها في إدارة الاجتماع السياسي العربي على قاعدة التعددية وتداول السلطة، واعتبار حماية مقومات الدولة الوطنية، مهمة أساسية من مهام النضال الوطني في مواجهة مشاريع التقسيم والنزول بالواقع العربي دون ما هو قائم)
ينطلق البيان من مقاربة دقيقة تتجاوز الثنائية السطحية التي سادت طويلًا بين (الدولة القطرية) و(الأمة العربية)، فالمشكلة، كما يوضح المؤتمر، ليست في وجود الدولة الوطنية بذاتها، بل في تفريغها من وظيفتها التاريخية. الدولة لم تُفشل الأمة، بل جرى إفراغها لتفشل، وتحويلها من إطار سيادي جامع إلى جهاز هش، تابع، أو منقسم على ذاته.
لقد أصبحت الدولة الوطنية، في كثير من الأقطار، كيانًا بلا سيادة حقيقية، حدود مفتوحة للتدخل، وقرار سياسي مرتهن، واقتصاد تابع، ومجتمع مفكك. وحين تفقد الدولة قدرتها على حماية مواطنيها، وصون مواردها، وإدارة تنوعها، تتحول تلقائيًا إلى ساحة صراع داخلي، وهدف سهل للمشاريع الخارجية. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الاستباحة. ويتجلى هذا التفريغ في نماذج عديدة: (دولة العراق قيّدت جزءً من سيادتها القضائية بموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي 2008 مع الولايات المتحدة، ودولة لبنان التي أصبحت مؤسساتها خاضعة لمحاصصات طائفية أضعفت فاعليتها السيادية، ودولة اليمن التي فقدت احتكارها للسلاح والعنف لصالح مليشيات متعددة (.
لكن المؤتمر القومي الثالث عشر لا يقف عند نقد هذا الواقع، بل يرفض منطق الهدم الشامل الذي يدعو إلى تجاوز الدولة بوصفها (فكرة فاشلة). فالبيان يعيد الاعتبار إلى مفهوم الوظيفة القومية للدولة الوطنية. فالدولة، في الرؤية القومية التي يؤكدها المؤتمر، ليست نقيض الأمة، بل أحد أشكال تجلّيها التاريخي في مرحلة معينة. وهي ليست بديلًا عن الوحدة، بل قاعدة مادية وسياسية لها. إذن الدولة الوظيفية قوميًّا هي تلك التي:
1. تحمي المجتمع من التفكك،
2. تصون السيادة من الارتهان،
3. وتفتح المجال أمام المشاركة الشعبية بوصفها مصدر الشرعية الحقيقي.
ومن هنا، يربط البيان بوضوح بين الدولة والديمقراطية. فالدولة التي تُدار بالقمع لا تصمد، والدولة التي تُختزل في السلطة لا تستقر. أما الديمقراطية، كما يفهمها المؤتمر القومي الثالث عشر، ليست ترفًا ليبراليًا، ولا استجابة لضغط خارجي، بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها. إذ لا يمكن بناء دولة قوية من مجتمع مُقصى، ولا يمكن حماية السيادة دون مواطن يشعر أن الدولة تمثله لا تفرض نفسها عليه.
والديمقراطية هنا لا تعني الشكل الليبرالي الغربي (فحسب)، بل تعني بالأساس: تمثيل حقيقي للإرادة الشعبية، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحريات الأساسية. وهي بهذا المعنى ليست خياراً أيديولوجياً، بل شرطاً وظيفياً لبقاء الدولة واستقرارها. لأن المواطن الذي يشعر أنه شريك في الدولة هو وحده القادر على الدفاع عنها حين تُستهدف.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها في لحظة عربية تتكاثر فيها نماذج (الدولة المنهارة) و(الدولة الموازية) و(الدولة المؤقتة). ففي فلسطين، تُستهدف الدولة قبل أن تولد. وفي العراق وسوريا والسودان واليمن، جرى تفكيك الدولة من الداخل، أو تقاسمها بين السلاح والطائفية والتدخل الخارجي. وفي كل هذه الحالات، لم يكن البديل عن الدولة الوطنية دولة أفضل، بل فوضى أعمق، وتبعية أشد، وانكشافًا أخطر. لهذا، يؤكد المؤتمر القومي الثالث عشر أن معركة الدولة ليست معركة شكل، بل معركة مضمون. فالدولة المطلوبة ليست دولة أمنية، ولا دولة طائفية، ولا دولة سوق بلا عدالة، بل دولة تستعيد وظيفتها القومية، في أن تكون أداة حماية لا أداة قمع، وإطار وحدة لا وسيلة إقصاء، وجسرًا بين الخصوصية القطرية والمصير العربي المشترك.
وقد أثبتت التجارب التاريخية أن الدول التي نجحت في الجمع بين الوظيفة القومية والمشروعية الديمقراطية—كما في تجارب حركات التحرر في الجزائر وفيتنام—استطاعت الصمود والتحرر، وكذلك في الحكم الوطني بالعراق قبل الاحتلال الأمريكي الامبريالي في 2003م، بينما الدول التي اختزلت نفسها في الوظيفة الأمنية أو الطائفية تحولت إلى عبء على شعبها.
إن استعادة الدولة بوصفها وظيفة قومية هو شرط أساسي لاستعادة المبادرة العربية. فلا مقاومة بلا دولة، ولا تنمية بلا سيادة، ولا وحدة بلا قواعد سياسية صلبة. ومن دون ذلك، تبقى الشعارات القومية معلّقة في الفراغ، عاجزة عن التحول إلى قوة تاريخية فاعلة.
ويتطلب التحول من الدولة المستباحة إلى الدولة الوظيفية، إصلاحاً جذرياً للعقد الاجتماعي، وبناء مؤسسات دستورية مستقلة، واستعادة السيطرة على القرار الاقتصادي، وإعادة تأهيل الجيوش الوطنية للدفاع عن السيادة لا لقمع الشعوب، وتحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الانتخابات والتمثيل النيابي وصنع القرار، وتعزيز الرقابة المجتمعية على مؤسسات الدولة وأدائها، بوصف ذلك تجسيدًا فعليًا لمبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وركيزة أساسية في مكافحة الفساد وترسيخ دولة القانون.
بهذا المعنى، لا يدافع المؤتمر عن الدولة كما وُجدت، بل عن معناها الذي فُقد. فالدولة ليست مباني وسلطات، بل وظيفة تاريخية، تتمثل في حماية المجتمع، وصون السيادة، وتنظيم الإرادة الشعبية، والعمل على الارتقاء بمؤسسات العمل العربي المشترك، وتعزيز مشاريع التكامل الاقتصادي العربي، ولا سيما في مجالي الزراعة والصناعة، عبر إزالة الحواجز الجمركية، وتيسير حركة الأفراد بإلغاء تأشيرات الدخول بين الأقطار العربية، بما يفتح المجال أمام سوق عربية متكاملة قادرة على تحقيق الاكتفاء وتعزيز الاعتماد المتبادل. واستعادة هذه الوظيفة هي الشرط الأول لاستعادة المبادرة العربية. لأن الأمة التي تعجز عن بناء دولة، تعجز عن حماية تاريخها، وتعجز عن صناعة مستقبلها.

Leave a Reply