النيل المسموم: حين تتحوّل ح.رب السودان إلى ج.ريمة كيميائية صامتة

صحيفة الهدف

بقلم: ابن عوف أحمد

في مشهدٍ فادح الدلالة، تطفو جثث الفئران على سطح النيل الأزرق شمال الخرطوم، في صورة تختصر عمق المأساة السودانية الراهنة. هذا المنظر الصادم لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة أو خللًا بيئيًا محدودًا، بل هو مؤشر خطير على كارثة إيكولوجية تتكشف ببطء، في ظل ح.رب مستمرة منذ أبريل 2023، وتزايد مقلق للأدلة التي تشير إلى استخدام أسلحة كيميائية محظورة في النزاع.

التقارير الاستخباراتية الأمريكية التي أعقبتها عقوبات في مايو 2025، إلى جانب تحقيقات صحفية دولية كشفت استخدام غاز الكلور عبر براميل أُلقيت من الطائرات في سبتمبر 2024، تفتح الباب أمام حقيقة شديدة القسوة: الح.رب في السودان لم تعد تفتك بالبشر وحدهم، بل امتدت لتصيب البيئة في صميمها، مهددة أحد أهم الأنظمة النهرية في إفريقيا.

غاز الكلور، المعروف تاريخيًا كسلاح محرّم منذ الح.رب العالمية الأولى، لا تنحصر آثاره في لحظة الاستخدام. فعند اختلاطه بالمياه، يتحول إلى مركبات شديدة السمية، قادرة على تدمير الحياة المائية وإحداث اختلال طويل الأمد في التوازن البيئي. الفئران الطافية قد تكون أولى العلامات المرئية لهذا التلوث، لكنها على الأرجح ليست سوى بداية لسلسلة خسائر أوسع، تشمل الأسماك التي يعتمد عليها ملايين السودانيين كمصدر رئيسي للغذاء، حيث يؤدي الكلور إلى إتلاف الخياشيم وشلّ عملية التنفس، ما يفتح الباب أمام نفوق جماعي واسع النطاق.

ولا يقف الخطر عند حدود الأسماك، بل يمتد عبر السلسلة الغذائية بأكملها، من الكائنات الدقيقة إلى الطيور المائية، وصولًا إلى الإنسان. النيل، الذي يشكّل شريان الحياة لأكثر من 400 مليون شخص في إحدى عشرة دولة إفريقية، يواجه تهديدًا يتجاوز السودان وحدوده السياسية. فالتلوث الكيميائي لا يعترف بالخرائط، بل ينتقل مع التيار، واضعًا الأمن المائي الإقليمي أمام اختبار غير مسبوق، خصوصًا بالنسبة لدول المصب التي تعتمد اعتمادًا شبه كامل على مياه النهر.

ورغم خطورة المؤشرات الميدانية، لا تزال الاستجابة الدولية بطيئة ومترددة. فبينما تطفو الشواهد المادية على سطح النيل، تُحاصر آليات التحقيق الدولية بإجراءات معقدة وحسابات مؤسسية تؤخر إرسال فرق تقصي الحقائق وجمع الأدلة. وفي هذا السياق، عُقد لقاءٌ لوفد من تحالف «صمود» مع أحد كبار مسؤولي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي – هولندا، بتاريخ 26 يناير 2026، في إطار مساعٍ لفتح مسار تحقيق دولي بشأن ما يُثار من مزاعم حول استخدام مواد كيميائية محظورة في النزاع السوداني. ورغم الطابع الإجرائي لهذا اللقاء، فإنه يعكس اتساع نطاق القلق الدولي إزاء مؤشرات تلوث كيميائي لم يعد من الممكن تجاهلها، في ظل شواهد ميدانية متزايدة تستدعي استجابة تتجاوز البيانات السياسية إلى آليات تحقق مستقلة وعاجلة.

وفي مقابل هذه المؤشرات، يبرز الإنكار الرسمي لوجود أي تلوث كيميائي، وهو إنكار لا يوقف التلوث، بل يضاعف مخاطره. فغياب الاعتراف يمنع اتخاذ تدابير عاجلة لحماية النهر وسكانه، ويؤجل أي استجابة بيئية أو صحية يمكن أن تحدّ من حجم الكارثة.

الأكثر إثارة للقلق أن المركبات الكيميائية الناتجة عن تحلل غاز الكلور لا تختفي سريعًا، بل قد تستقر في الرواسب النهرية لسنوات طويلة، مخلّفة مناطق ميتة بيئيًا، ومقوّضة للتنوع الحيوي حتى بعد توقف الح.رب. وهنا تتحول الكارثة من أثر جانبي للنزاع إلى إرث سام طويل الأمد، سيدفع ثمنه السودانيون ودول الجوار على حد سواء.

إن الفئران الطافية على سطح النيل ليست مجرد صورة صادمة، بل رسالة إنذار. النيل، الذي حمل الحضارة والاستقرار لآلاف السنين، بات يحمل اليوم أدلة ج.ريمة صامتة تهدد مستقبله ومستقبل المنطقة بأكملها. الوقت لا يعمل لصالح أحد، والأدلة لا تختبئ في الظل، بل تطفو علنًا. والمطلوب اليوم تحرك دولي جاد، لا تحكمه الحسابات السياسية الضيقة، بل تفرضه مسؤولية حماية نهرٍ تتوقف عليه حياة الملايين، قبل أن تتحول هذه الجريمة البيئية إلى كارثة لا يمكن تداركها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.