لعبة الأمم بأمتنا وجع لا فناء!: الوجع كشرطٍ للنهضة

صحيفة الهدف

أ.د. عبدالسلام سبع الطائي

الوجعُ العربيّ ليس طارئاً… بل مُمنهج، إذ تجاوز كونه ظرفاً عابراً ليغدو ظاهرةً بنيوية في المجتمع العربي، مرتبطة ببنية النظام السياسي العربي، وانعكاساته على علاقة المجتمع بذاته وبحكوماته وبالعالم.

منذ عقود، تتوالى الأزمات الثقافية والسياسية والاقتصادية والأمنية، وتتقاطع التدخلات الخارجية مع اختلالات داخلية مزمنة، جعلت الألم العربي لدى القوى الوطنية العربية مركّباً: وجع كيان أقطار عربية تتداعى وتتآكل بصمت، ومأزق بنيوي مزمن، ونظام عربي وإقليمي إما معطَّل أو مفكك. وهكذا تبقى لعبةُ الأمم بأمتنا العربية مستمرة… طالما لم ينتهِ وجعُنا. ومع ذلك، وعلى قسوته، قد يكون هذا الوجع شرطاً ضرورياً لإعادة التفكير في مشروع النهضة المؤجَّل.

في لعبة الأمم اليوم، يُعاد إنتاج الوجع من قبل النخب الزائفة للطفيليين المعاقين ثقافياً وفكرياً وسياسياً باسم الوطن. من الناحية الجيوسياسية، تقع الأمة العربية في قلب صراعات المصالح الدولية، حوّلت الجغرافيا إلى عبء، والثروات إلى لعنة، ونعمة النفط إلى نقمة، والسيادة إلى مفهوم متآكل مقيد ومنتهك. وقد أدّى عدم قبول العقلية النقدية وغياب المعارضة القومية المؤسسية إلى ضعف الإرادة الجماعية العربية، وضعف التنسيق العربي والإقليمي، لا سيما بعد غزو الكويت ونكبة الأمة باحتلال العراق، إلى جعل العديد من أقطارنا ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية، وحـ.ـروب الوكالة، لإعادة ترسيم الخرائط بأدوات ناعمة أو خشنة. في هذا السياق، لا يمكن فصل الوجع العربي اليوم عن بنية النظام الدولي غير المتوازن، لكن تحميل الخارج كامل المسؤولية يظل قراءة قاصرة.

ولا مناص من القول، وجعُنا قديم وباقٍ، واللاعبون يتبدّلون، مثلما يحصل في الأحواز وفلسـ.ـطين، أو في العراق الخاضع للاحـ.ـتلال الإيراني، الذي سبق الاحـ.ـتلالَ الإسرائيلي لفلـ.ـسطين بعقود، أو في السودان، اليمن، لبنان، وليبيا وغيرها. ليست هذه الحالات معزولة، بل تجلّيات لمسار واحد: دول تُستنزف من الداخل وتُستباح من الخارج، تسببت بأن تُدار لعبةُ الأمم فوق جراحنا المفتوحة.

قطرياً، يتجلى الوجع العربي في حوكمة الدولة، وتآكل الثقة بين الحكومات والشعب والأحزاب، وتهميش الإنسان العربي سياسياً واقتصادياً ومعرفياً. فغياب المشاركة، والانقسامات الهوياتية الطائفية والعرقية، حين أُسيء توظيفها سياسياً ببعض الأقطار، أدّت إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف مناعة الدولة الوطنية القومية.

ختاماً، فإن لعبةَ الأمم لا ترحم من لا يملك أوراقه، ومن هنا تتجسّد إستراتيجية الخروج لعلاج هذه الحالة المأزقية لأمتنا العربية في استعادة مفهوم المصلحة العربية المشتركة، وعبر بناء حدٍّ أدنى من المعارضة الشعبية المؤسسية وامتلاك التنسيق الاستراتيجي الجيوسياسي مع المحافل الدولية. كي نتحول من ساحةٍ تُدار إلى قوةٍ تُدير، لننقل المنطقة من هامش القرار إلى مركز الاشتباك السياسي الواعي، لنوقف تشغيل المنطقة كمادة للتجريب الجيوسياسي، ونعيدها إلى دور الفاعل التاريخي، بما يُسقط عنا صفة الساحة المفتوحة، ويعيدنا إلى موقع من يرسم لا من يُرسم عليه، ينهي زمن التلقي والانكسار، ويفرض حضورنا كصنّاع قرار لا كضحايا خرائط.

وحين تختار الأمة الفعل، لا يبقى الوجع قدراً. ففي قلب لعبة الأمم، قد يتحوّل الألم العربي من جرحٍ مفتوح إلى شرارة نهضة سياسية تعيد صياغة خريطة القرار، ومن انكسارٍ إلى بداية. ومع اكتمال الوعي وتلاقي الإرادة، يولد الأمل، ويصدق فينا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.

#عبدالسلام_سبع_الطائي #لعبة_الأمم #الوجع_العربي #النهضة_العربية #الأمن_القومي #احتلال_العراق #الأحواز #فلسـ.ـطين #السودان #اليمن #لبنان #ليبيا #الجيوسياسية #النظام_الدولي #صحيفة_الهدف #الوعي_القومي #الدولة_الوطنية #المصلحة_العربية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.