تقرير: د. جمال الجاك
بينما ما تزال الخرطوم ساحة ح.رب مفتوحة، تكشف وثائق داخلية حصلت عليها”الهدف” عن محاولات منظّمة لدفع الجامعات إلى إعلان استئناف الدراسة، خصوصاً لطلاب السنوات النهائية، في توقيت يفتقر لأي حد أدنى من الجاهزية الأمنية أو الأكاديمية.
الوثائق، التي جرى تداولها داخل إدارات جامعية، تشير بوضوح إلى ضغط سياسي مباشر لتسويق “عودة الحياة” على حساب سلامة الطلاب وحقوقهم.
وثائق لا تقبل التأويل
وأطلعت”الهدف” على نسخ من مذكرات داخلية وتوجيهات إدارية (غير منشورة) تحمل صيغاً متشابهة، وتؤكد “ضرورة الإعلان عن استئناف الدراسة وفق الجداول المعلنة، مع التركيز على السنوات النهائية”.
وتشير إحدى المذكرات إلى “أهمية التزام الجامعات بالخط العام للدولة”، دون أي إشارة لتقييم أمني، أو ميزانية تشغيل، أو خطة حماية.
(م.ع)مسؤول إداري بجامعة حكومية قال لـ”الهدف”: “لم تُطلب منا تقارير سلامة، ولا حصر للأضرار، ولا تقدير تكاليف. طُلب الإعلان فقط. هذا ليس قراراً أكاديمياً، بل تنفيذ توجيه”.
خرطوم بلا أمن… وقرار بلا مسؤول
على الأرض، الواقع يُكذّب الخطاب الرسمي، أحياء بلا خدمات، انتشار للسلاح، انعدام مواصلات، وغياب كامل لأي ترتيبات لحماية الطلاب.
ومع ذلك، لم تُرفق الإعلانات الجامعية بأي التزام رسمي بتأمين السكن، أو النقل، أو الرعاية الصحية.
وتقول طالبة السنة الأخيرة سارة لـ”الهدف”: “يطلبون منا العودة دون ضمانات. إذا حدث مكروه، من يتحمّل المسؤولية؟ الجامعة؟ الوزارة؟ أم نحن وحدنا؟”.
اقتصاد منهار
إفادات أولياء أمور وطلاب تُظهر أن القرار يتجاهل الانهيار الاقتصادي الواسع. آلاف الأسر نازحة، بلا دخل ثابت، وتُطالب فجأة بتمويل دراسة في مدينة مدمّرة.
ويقول ولي أمر أحد الطلاب، أحمد لـ”الهدف”: “هذا ابتزاز مقنّع. إمّا تعود وتخاطر بحياتك، أو تُتّهم بتضييع مستقبلك”.
جامعات نُهبت
أكاديميون أكدوا لـ”الهدف” أن الحديث عن استئناف الدراسة يتناقض مع واقع الجامعات، معامل مفرغة، أجهزة مسروقة، مكتبات مدمّرة، وقاعات غير صالحة.
د.س.ن أستاذ بكلية علمية، قال ل”الهدف”: “ما يُحضَّر له هو تعليم شكلي لإغلاق ملف سياسي. الجودة غير مطروحة أصلًا”.
نزوح الأساتذة
تكشف الوثائق نفسها غياب أي خطة لإعادة الأساتذة الذين نزحوا أو لجأوا، كما لا تتضمن أي معالجة لضعف المرتبات أو توفير سكن آمن.
ويذهب الموظف الإداري (ع.م) في حديثه لـ”الهدف”، إلى التساؤل: “كيف تفتح جامعة بلا أساتذة؟ قبل أن يجيب: لأن الهدف ليس التعليم”.
تسييس وواجهة
يتهم ناشطون طلابيون السلطات بتسييس مباشر للتعليم، واستخدام الطلاب كأداة دعائية لإظهار استقرار وهمي.
ويقول محمد، عضو جسم طلابي مستقل لـ”الهدف”: “يريدون صوراً، لا طلاباً. يريدون إعلانات، لا جامعات”.
أسئلة للسلطات
أسئلة كثيرة معلقة تبحث عن ردود من أفواه المسؤولين، لم تجد اهتماماً أو إجابات حتى كتابة هذا التقرير، أبرزها:
-
من أصدر التوجيه بفتح الجامعات دون تقارير أمنية مُعلنة؟
-
أين تقييم السلامة المكتوب الذي يضمن حماية الطلاب؟
-
ما الميزانية المخصّصة لإعادة تأهيل الجامعات المنهوبة؟
-
من يتحمّل المسؤولية القانونية إذا تعرّض طالب للأذى؟
-
كيف ستُدار العملية التعليمية مع نزوح غالبية الأساتذة؟
-
لماذا لم تُستشر اتحادات الطلاب وأجسام الأساتذة؟
-
هل يُستخدم التعليم لتلميع وضع سياسي وأمني غير قائم؟
إن ما يكشفه هذا التقرير ليس سوء تقدير، بل نهجاً متعمّداً، لفرض العودة، تحميل الطلاب الكلفة، وتقديم التعليم قرباناً للدعاية. إنها محاولة لإغلاق ملف سياسي فوق أنقاض جامعات مدمّرة وأرواح مُعرّضة للخطر.
لا تعليم بالإكراه، ولا جامعة بلا أمن، ولا مستقبل يُبنى على إنكار الواقع.

Leave a Reply