الأمة العربية بين الإطباق الشامل واستعادة المبادرة: قراءة فكرية في بيان المؤتمر القومي الثالث عشر 2026م

صحيفة الهدف
أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
لم تعد أزمة الأمة العربية تُختصر في هزيمة عسكرية هنا، أو انهيار دولة هناك، بل باتت أزمة شاملة في القدرة على الفعل التاريخي. فالأمة اليوم لا تُهزم في معركة واحدة، بل تُحاصر في كل ساحات وجودها: الجغرافيا، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والوعي. وهذا ما يعبّر عنه بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي بمفهوم بالغ الدلالة: الإطباق الشامل.
الإطباق، كما يطرحه البيان، ليس حدثًا عابرًا، ولا نتيجة ظرفية لتوازنات دولية مؤقتة، بل مسارًا مركّبًا تشكّل عبر عقود، هدفه تفكيك الأمة لا احتلالها فقط، وتحييدها لا إدارتها، وتحويلها من فاعل تاريخي إلى مجال مفتوح للتدخل والنهب وإعادة الصياغة. فالعدوان الحديث لا يحتاج دائمًا إلى جيوش جرّارة، ما دام قادرًا على تفكيك الداخل، وإعادة هندسة الوعي، وتفريغ الدولة من مضمونها السيادي.
وقد عبّر البيان صراحة عن ذلك بقوله: (ان هذا الذي تتعرض له الأمة العربية من اطباق شامل على واقعها القومي الراهن وارتفاع منسوب تهديد أمنها القومي والمجتمعي من الداخل والمداخل ، يضع الحزب ومعه القوى العربية التحررية في الموقع الذي تمليه عليهم المسؤولية التاريخية لوضع الآليات العملية لاستنهاض المشروع القومي المستند إلى تفعيل طاقات الجماهير وقواها الطليعية لبناء جبهة عربية تأخذ على عاتقها التصدي لمشاريع العدوان ،عبر إعادة إدخال القضية القومية في قلب الصراع السياسي والاجتماعي اليومي ولبناء ميزان قوى شعبي – سياسي يكون قادراً على وقف مسار التراجع في واقع الأمة وفتح أفق جديد للمسار القومي التحرري ).
ويتجلى هذا الإطباق في وقائع ملموسة: في فلسطين حيث يتسارع التهويد، في السودان حيث تُدار الح.رب بأدوات إقليمية، في سوريا واليمن وليبيا حيث تحولت الدولة إلى ساحة صراع دولي، وفي موجات التطبيع التي تعيد تعريف موقع العدو من الوعي العربي.
في هذا السياق، لا يُفصل الإطباق الخارجي عن أزماته الداخلية. فالتجزئة، والطائفية، والانقسام الاجتماعي، ليست أسباب الضعف بقدر ما هي أدواته. وقد نجح المشروع المعادي للأمة في تحويل التنوّع الطبيعي إلى صراع، والاختلاف السياسي إلى اقتتال، والدولة إلى ساحة نزاع دائم. وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين تُدار الأزمات الداخلية بما يخدم الاستباحة الخارجية، يصبح الانقسام شكلًا من أشكال الاحتلال غير المعلن.
لكن البيان لا يقف عند حدود التشخيص، بل يرفض منطق الاستسلام الذي يختبئ خلف خطاب (الواقع المعقّد) أو (الميزان الدولي المختل). فالمؤتمر القومي الثالث عشر ينطلق من مسلّمة فكرية أساسية: الأمم لا تُمحى بقرار، ولا تُلغى بتفوّق عسكري، بل تُهزم فقط حين تفقد ثقتها بذاتها، وتتنازل عن حقها في المبادرة.
ومن هنا، يطرح البيان سؤال المبادرة لا بوصفه شعارًا تعبويًا، بل بوصفه مفهومًا استراتيجيًا. فاستعادة المبادرة لا تعني المغامرة، ولا القفز فوق موازين القوى، بل تعني أولًا استعادة الوعي بوحدة الصراع، ووحدة المصير، ووحدة الساحة. فما يجري في فلسطين، وسوريا، والعراق، والسودان، واليمن، ليس أزمات منفصلة، بل تجليات متعددة لمعركة واحدة تُدار بأدوات مختلفة.
ويؤكد المؤتمر القومي الثالث عشر أن المدخل الحقيقي لاستعادة المبادرة يبدأ من إعادة بناء الفعل القومي المنظم. فالعفوية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي، وردود الفعل، مهما كانت صادقة، تظل محكومة بسقف الفعل اللحظي. المبادرة، كما يفهمها البيان، هي الانتقال من الدفاع المتناثر إلى الهجوم السياسي–الاستراتيجي، ومن إدارة الأزمات إلى إنتاج مشروع جامع.
وإذا كان الإطباق يستهدف تفكيك المجتمعات من داخلها، فإن الرد الطبيعي لا يكون تنظيميًا ضيقًا، بل مجتمعيًا واسعًا. وفي هذا الإطار، يكتسب مفهوم الجبهة الشعبية القومية أهمية مركزية. فالإطباق الشامل لا يُواجَه بتنظيم مغلق، ولا بنخبة معزولة، بل بتحالف واسع للقوى الاجتماعية الحية، على قاعدة برنامج تحرري واضح، لا على قاعدة الاصطفاف الآني أو المصالح الضيقة. الجبهة هنا ليست تكتيكًا مرحليًا، بل شكلًا من أشكال إعادة تنظيم الإرادة الشعبية في مواجهة مشاريع التفتيت.
ولا يغفل البيان عن البعد الديمقراطي بوصفه شرطًا لا غنى عنه لاستعادة المبادرة. فالمجتمع المُقصى لا يُقاوم، والمقموع لا يبادر. ولذلك، فإن الربط الذي يقوم به المؤتمر القومي الثالث عشر بين التحرر القومي والديمقراطية ليس ترفًا نظريًا، بل إدراكًا عميقًا بأن الاستبداد الداخلي هو الوجه الآخر للهيمنة الخارجية، وأن تحرير الإرادة الشعبية هو الخطوة الأولى في أي مسار تحرري حقيقي.
إن أخطر ما في لحظة الإطباق ليس شدة الضغط، بل اعتياد العيش تحته. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة المؤتمر القومي الثالث عشر: ليس بوصفه اجتماعًا تنظيميًا، بل محاولة واعية لكسر هذا الاعتياد، وإعادة طرح السؤال الذي تهرب منه الواقع العربي طويلًا: هل ما زالت الأمة قادرة على الفعل التاريخي؟ يجيب البيان: نعم. ولكن ليس بالشعار، بل بإعادة بناء الوعي، وتنظيم الإرادة، واستعادة البوصلة. فالإطباق ليس قدرًا، والمبادرة ليست ترفًا، بل هما عنوان الصراع الحقيقي على معنى وجود الأمة العربية في التاريخ.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.