ماجد الغوث
قراءة في مخرجات المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي: انبعاث الإرادة من ركام التحديات
في لحظة تاريخية فارقة، تشرق فيها شمس السادس والعشرين بعد الألفين على واقع عربي مثقل بالجراح، عقد حزب البعث العربي الاشتراكي مؤتمره القومي الثالث عشر. لم يكن هذا المؤتمر مجرد إجراء تنظيمي روتيني، بل كان “فعل مقاومة سياسية” بامتياز، بالنظر إلى التوقيت والمكان والظروف الموضوعية المحيطة بالأمة العربية.
تحت قيادة الرفيق علي الريح السنهوري، الأمين العام المساعد ـ سابقاً ـ للقيادة القومية، أمين سر قيادة قطر السودان. يأتي هذا المؤتمر ليعلن للعالم أن “البعث” الذي أريد له “الاجتثاث” في العراق، و”التهميش” في ساحات النضال الأخرى، لا يزال يمتلك زمام المبادرة والقدرة على حشد التنظيمات من المحيط إلى الخليج.
أولاً: دلالة الانعقاد في “زمن التكالب”
انعقد المؤتمر والأمة تواجه “إطباقاً شاملاً” يتمثل في:
1. نكبة فلسطين المتجددة: حيث تشن الصهيونية حرب إبادة في غـ. ـزة وتتوسع في لبنان وسوريا، مستندة إلى دعم أمريكي مطلق ضرب عرض الحائط بكل المواثيق الدولية.
2. استمرار مأساة العراق: الذي يعاني من احتلال إيراني “من الباطن” وهيمنة طائفية تسعى لمحو هويته العروبية بعد الغزو الأمريكي.
3. الجرح السوداني النازف: حيث يغرق السودان في “حرب عبثية” دمرت مؤسسات الدولة وأوقفت مسار التحول الديمقراطي، مما جعله ساحة للتدخلات الإقليمية والدولية.
في ظل هذا “السقوط” المريع للنظام الرسمي العربي، يأتي المؤتمر ليؤكد أن الإرادة الشعبية المنظمة هي الرد الوحيد على خطاب اليأس والهزيمة.
ثانياً: قضية فلسطين.. المركزية في صلب الوجود
أعاد المؤتمر صياغة الموقف من فلـ.ـسطين، لا بصفتها “قضية تضامن”، بل بصفتها جوهر الأمن القومي العربي. شدد المؤتمر على:
•رفض كل أشكال التطبيع، واعتبارها طعنة في خاصرة المقاومة.
* دعم خيار المقاومة الشاملة كخيار إستراتيجي، معتبراً أن ما تفرضه موازين القوى حالياً ليس “قضاءً وقدراً” بل حالة مؤقتة يمكن كسرها بالتراكم النضالي.
* ربط مصير القدس وغـ.ـزة بمصير بغداد والخرطوم وبيروت، ضمن وحدة عضوية لا تقبل التجزئة.
ثالثاً: العراق والبعث معركة البقاء والاجتثاث
توقف المؤتمر طويلاً أمام تجربة العراق، ووجه رسالة قوية مفادها أن “البعث أقوى من الاجتثاث”. إن الحزب الذي قدم قادته شـ.ـهداء، وعلى رأسهم “شـ.ـهيد الحج الأكبر” الرفيق صدام حسين، لا يمكن إنهاؤه بقرار من سلطة احتلال.
* اعتبر المؤتمر أن استهداف البعث هو استهداف لمشروع النهوض القومي ككل.
* شدد على أن تحرير العراق من الهيمنة الإيرانية هو مفتاح لاستعادة التوازن في المنطقة العربية.
رابعاً: الجبهة القومية الشعبية.. الرافعة السياسية للمستقبل
من أهم مخرجات المؤتمر هي الدعوة لتشكيل “جبهة قومية تقدمية تحررية”. أدرك المؤتمر أن الحزب، رغم طليعيته، يحتاج إلى الانفتاح على القوى الوطنية والتحررية العربية لإنشاء ميزان قوى جديد.
“إن تشتت الحركات التحررية هو ما سمح للقوى الإقليمية (إيران وتركيا) وللقوى الدولية بالاستفراد بالأقطار العربية.”
هذه الجبهة ليست تحالفاً انتخابياً، بل هي برنامج عمل مرحلي يربط بين التحرير من الاحتلال وبين التغيير الديمقراطي في الداخل.
خامساً: الديمقراطية والحرية.. الدولة المدنية كحماية للوطنية
في قراءة متطورة لفكر الحزب، أكد المؤتمر على أن الديمقراطية والتعددية هما الناظم للحياة السياسية.
* حماية الدولة الوطنية: اعتبر المؤتمر أن الحفاظ على مؤسسات الدولة في أقطار مثل السودان وليبيا واليمن هو مهمة نضالية لمنع التقسيم والتشظي.
* المواطنة: التشديد على الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون، بعيداً عن الهويات الطائفية والمذهبية التي تغذيها التدخلات الخارجية.
سادساً: النضال الاقتصادي والاجتماعي
لم يغفل المؤتمر الجوانب العملية، فطالب بـ:
* تفعيل السوق العربية المشتركة وربط الأقطار بشبكات مواصلات.
* رفع الحواجز الجمركية وضمان حرية الحركة للمواطن العربي.
* إيلاء قطاع الشباب والطلاب والنساء الأولوية القصوى، تطبيقاً لمقولة الرفيق الراحل صدام حسين: “نكسب الشباب لنضمن المستقبل”.
المؤتمر القومي الثالث عشر هو إعلان عن “انبعاث جديد”. إنه يضع حداً لمحاولات تصفية القضية العربية، ويؤكد أن حزب البعث تحت قيادة الرفيق السنهوري وبقية الرفاق في القيادة القومية الجديدة، قد انتقل من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “الفعل النضالي الاستباقي”.
إنها دعوة للجماهير العربية للثبات على العهد، وللإيمان بأن فجر الحرية والوحدة يبدأ من استعادة الإرادة والوفاء لشهداء الأمة.

Leave a Reply