قلم : أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليس كل مؤتمر حدثًا، ولا كل انعقاد لحظةً تاريخية. كثير من المؤتمرات تُعقد لتملأ فراغ الزمن، أو لتُعيد إنتاج ما هو قائم، أو لتؤكد استمرارية شكلية في زمن الانقطاع. لكن بعض المؤتمرات—القليلة—تنعقد لأن التاريخ يضغط، ولأن الصمت لم يعد خيارًا، ولأن الفعل المؤجَّل بات عبئًا لا يحتمل. في هذا السياق ينعقد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، لا بوصفه استحقاقًا تنظيميًا فحسب، بل بوصفه لحظة إعادة تعريف للدور القومي في زمن الانكشاف العربي الشامل.
منذ المؤتمر التأسيسي عام( 1947)، قد وضع اللبنة النظرية، والعاشر (1982) قد انعقد في خضم ح.رب وجودية، فإن الثالث عشر( 2026) ،ينعقد في لحظة أكثر تعقيداً: لحظة ما بعد انهيار الدولة الوطنية في عدة أقطار، وانتشار النموذج الميليشيوي، وانكفاء المشروع القومي إلى هوامش الفعل السياسي.
إن البيان الصادر عن القيادة القومية بمناسبة عقد المؤتمر لا يقدّم توصيفًا تقنيًا للواقع، بل ينهض بوظيفة أعمق: تشخيص بنيوي لأزمة الأمة العربية في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الهزائم العسكرية مع التفكك السياسي، والانهيار الاجتماعي مع الاستباحة الجيوسياسية. فالبيان لا ينطلق من سؤال: ما الذي جرى؟ بل من سؤال أخطر: كيف وصلنا إلى هنا؟، وما الذي يعنيه الاستمرار على هذا المسار؟ من هنا، لا يُقرأ المؤتمر القومي الثالث عشر بوصفه محاولة لترميم تنظيم، بل كمحاولة لإعادة وصل الفكرة القومية بذاتها، بعد أن تحولت في كثير من التجارب العربية من مشروع تحرري إلى سلطة دولة، ومن فكرة نهضوية إلى جهاز حكم، مما خلق فجوة بين القومية كمفهوم، والقومية كممارسة، كما تعرّضت خلال العقود الأخيرة إلى تشويه مزدوج: تشويه من الخارج عبر مشاريع التفتيت والهيمنة، وتشويه من الداخل عبر الانفصال بين الشعار والممارسة، وبين الفكرة والسياسة.
يقدّم البيان فهمًا واضحًا لطبيعة اللحظة الراهنة، نحن أمام إطباق شامل على الأمة العربية، لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف الوعي، والذاكرة، واللغة، ومعنى الدولة، ومفهوم السيادة. فالخطر، كما يحدده البيان، لم يعد خطر عدوان مباشر فقط، بل خطر تحويل الأمة إلى كيانات وظيفية، تُدار من الخارج، وتُفرَّغ من مضمونها التاريخي، وتُدفع إلى صراعات داخلية تُغني عن أي احتلال مباشر.
وتبدو هذه الاستباحة جلية في، تهويد القدس المتسارع، والتطبيع الخليجي المتنامي، الح.رب الأهلية السودانية التي تشير تقارير أممية متعددة إلى وجود أدوار إقليمية مؤثرة في مساراتها، وما شهدته سوريا والعراق واليمن من تآكل في بنية الدولة الوطنية بفعل الح.روب والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. كل هذه ليست أحداث منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة.
في هذا الإطار، يكتسب المؤتمر القومي الثالث عشر أهميته من كونه يرفض التعامل مع هذه الوقائع بوصفها قدرًا، أو نتائج لا يمكن ردّها، بل يصرّ على إعادة الاعتبار لفكرة القدرة على الفعل. وهذه النقطة بالذات هي ما يمنح البيان بعده الفلسفي، فالأمم لا تموت حين تُهزم، بل حين تقتنع بأن الهزيمة طبيعة ثابتة لا يمكن تجاوزها.
ولا يفصل البيان بين أزمة الأمة وأزمة الدولة الوطنية. فالدولة، في الرؤية التي يؤكدها المؤتمر، ليست نقيض المشروع القومي، ولا عائقًا أمامه، بل إحدى ساحات تحققه التاريخي. غير أن الدولة التي يتحدث عنها البيان ليست الدولة الأمنية، ولا الدولة الريعية، ولا الدولة التابعة، بل الدولة التي تستعيد وظيفتها، في حماية المجتمع، وصون السيادة، وفتح أفق المشاركة الديمقراطية بوصفها شرطًا للاستقرار والتحرر معًا.
إن الإشارة المتكررة في البيان إلى الديمقراطية ليست ترفًا لغويًا، ولا تنازلًا تكتيكيًا، بل تأكيد على أن التحرر القومي لا يمكن أن يُبنى على القمع، وأن الوحدة لا تُفرض من أعلى، بل تُنتجها المشاركة الواعية من أسفل. وفي هذا المعنى، يعيد المؤتمر القومي الثالث عشر وصل القومية بالحرية، بعد أن حاول كثيرون—عن قصد أو جهل—فصل إحداهما عن الأخرى.
أما فلسطين، التي يحتل حضورها مركز البيان، فلا تُستدعى بوصفها رمزًا عاطفيًا، بل بوصفها بوصلة الصراع القومي. فالقضية الفلسطينية، كما يؤكد المؤتمر، ليست ملفًا من ملفات النزاع، بل هي المعيار الذي يُقاس به صدق أي مشروع عربي، من يساوم عليها، يساوم على الأمة كلها، ومن يعزلها عن محيطها، يفتح الباب واسعًا أمام تفكيك المنطقة دولةً دولة، وشعبًا شعبًا.
بهذا المعنى، فإن المؤتمر القومي الثالث عشر لا يعلن برنامجًا مرحليًا فقط، بل يقدّم إطارًا لإعادة بناء المعنى، معنى النضال، ومعنى الدولة، ومعنى المقاومة، ومعنى أن تكون عربيًا في زمن تُراد فيه العروبة فراغًا بلا مضمون، أو تهمة بلا دفاع.
ويواجه المؤتمر تحدياً جيلياً حاسماً كيف يخاطب جيلاً عربياً نشأ في ظل الدولة الفاشلة، وشاهد أحلام القومية تتحول إلى كوابيس الطائفية، جيلاً لم يعرف من الدولة سوى طوابير الخبز، أو مشاهد النزوح، أو انقطاع الخدمات الأساسية، أو الهجرة القسرية. وكيف يقدم له المشروع القومي ليس كعودة إلى الماضي، بل كخروج إلى مستقبل مختلف جذرياً؟
إن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر لا تُقاس بما سيصدر عنه من قرارات فحسب، بل بقدرته على تحويل البيان إلى سياسة، والفكرة إلى فعل، والوعي إلى قوةٍ منظمة. فالتاريخ لا يحاسب النوايا، بل يحاكم النتائج. وإذا أراد المؤتمر القومي الثالث عشر أن يكون فعلاً تاريخياً لا محطةً عابرة، فإن اختباره الحقيقي لا يبدأ داخل قاعاته، بل لحظة تُترجم مقرراته ومخرجاته إلى واقعٍ حيّ يلامس الناس ويغيّر شروط حياتهم.

Leave a Reply