بعد عام على قرار تبديل العملة.. قراءة في أثر “الزلزال النقدي” على الاقتصاد السوداني

صحيفة الهدف

 راما عبد الله

في ديسمبر 2024، اتخذ بنك السودان المركزي خطوة وصفت بـ “الجراحية” حين أصدر قراراً بتبديل العملة الوطنية؛ ليبدأ تنفيذ برنامج استبدال الأوراق النقدية من فئتي 500 وألف جنيه في سبع ولايات فقط كمرحلة أولى. استمرت تلك العملية من 10 إلى 30 ديسمبر 2024، قبل أن يتم تمديد المهلة “بشق الأنفس” حتى 6 يناير 2025. ومنذ اللحظات الأولى، لم يكن القرار مجرد إجراء تقني، بل رافقه جدلٌ صاخب، وسط أوضاع أمنية وسياسية بالغة التعقيد، واعتراضات شرسة من قوى مسلحة، وتساؤلات لم تجد إجابات شافية حول جدوى هذه الخطوة في توقيتٍ ينزف فيه الوطن.

كان الهدف “المعلن” هو تعزيز الاستقرار النقدي وإعادة نبض الثقة في الجهاز المصرفي المشلول، لكن الواقع كان أكثر قسوة؛ إذ جاء التطبيق في سياق حـ.رب مستمرة منذ أبريل 2023، وتراجع مخيف لدور الدولة، وانهيار شامل للبنية التحتية. واليوم، وبعد مرور عام كامل، تصرخ المؤشرات الاقتصادية والميدانية بحقيقة مرة: القرار لم يُحدث الأثر الإصلاحي المرجو، بل غرق في تعقيدات المشهد النقدي وزاد من “طين” الاقتصاد بلة.

تطبيق جزئي وإرباك في الشرايين الغريب في الأمر أن تنفيذ التبديل انحصر في 7 ولايات فقط من أصل 18، بينما ظلت “الفئات القديمة” تتداول في بقية الولايات التي تمثل الثقل الأكبر للنشاط الاقتصادي. هذا التشظي أوجد واقعاً نقدياً “مزدوجاً” ومشوهاً داخل الدولة الواحدة، وأدى لإرباك حاد في المعاملات اليومية، خصوصاً في حركة التجارة وانتقال السلع ورأس المال بين المناطق الجغرافية المختلفة.

وزاد من “طينة” الوضع بلة ذلك الانقسام الأمني الحاد؛ حيث واجه المواطنون والتجار في بعض المناطق رفضاً قاطعاً للتعامل بالأوراق الجديدة، ما عطّل الدورة النقدية تماماً وفتح الأبواب على مصراعيها أمام “سوق موازية” لتبديل العملة بعمولات “فلكية” تنهش جيوب البسطاء.

الآثار الاقتصادية

بعد مرور سنة، لا يزال الجنيه السوداني يواصل رحلة هبوطه “الانتحارية” أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية، مع اتساع فجوة تبتلع السعر الرسمي. هذا التدهور لم يتوقف عند حدود الأرقام، بل انعكس بمرارة على معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطنين، في وقت فشلت فيه السياسات النقدية في استعادة السيطرة على الكتلة النقدية الهاربة خارج الجهاز المصرفي. ويرى الخبراء أن ضعف أثر القرار يعود لكونه إجراءً “معزولاً” ومنبتّ الصلة عن أي حزمة إصلاحات مالية، في ظل استمرار الحـ.رب وارتفاع فواتير الإنفاق العسكري على حساب الخدمات العامة والإنتاج.

فقدان الثقة

 أحد أخطر تداعيات القرار كان تعميق “هوة” فقدان الثقة لدى المواطن، الذي وجد نفسه مضطراً لتبني سلوكيات دفاعية؛ فاتجه الكثيرون لتحويل مدخراتهم إلى سلع أو معادن أو عملات أجنبية كـ “ملاذات آمنة”، بدلاً من التعامل مع نظام مصرفي يعاني الشلل. أما محاولات الرقمنة والخدمات الإلكترونية، فقد ظلت حبيسة “الوعود”، نتيجة انهيار البنية التحتية وانقطاعات الإنترنت المتكررة وتوقف فروع المصارف.

أبعاد اجتماعية وسياسية مفخخة لم تتوقف آثار القرار عند “الأرقام”، بل امتدت لتسمم المجال الاجتماعي والسياسي؛ حيث عمق التفاوت في تطبيق التبديل الإحساس بـ “الظلم” وعدم المساواة، وزاد من منسوب التوتر بين المجتمعات المحلية. تحولت السياسة النقدية في نظر الكثيرين من “أداة توحيد” إلى عامل إضافي لإنتاج الاختلالات التاريخية في البلاد.

إخفاقات تشغيلية

 لقد شكل غياب الجاهزية المصرفية “مقتلاً” للقرار؛ فمع توقف الفروع وصعوبة الوصول للسيولة، ازدهرت السوق السوداء بعمولات “امتصاص الدماء”. هذا المشهد يؤكد أن أي تغيير نقدي لا يمكن أن يكتب له النجاح في ظل مؤسسات مهترئة وبنية منهارة.

 العبرة في السياق

تجربة تبديل العملة في السودان تقول بوضوح، الإصلاحات النقدية لا يمكن فصلها أبداً عن السياق السياسي والأمني. بعد عام، تحول القرار من “حلم الإصلاح” إلى “عبء إضافي” في اقتصاد مثقل بالأزمات. العبرة هي أن أي سياسة نقدية تتطلب رؤية شاملة واستقراراً سياسياً، وإلا ستظل نتائجها مجرد “هبات” تصب في مصلحة السوق الموازية على حساب المواطن المغلوب على أمره.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #صحيفة_الهدف #السودان #تبديل_العملة #الاقتصاد_السوداني #لا_للحـ.رب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.