محمد عثمان أبوشوك يكتب:  عن لقائه الأول مع الأستاذ الراحل بدر الدين مدثر

صحيفة الهدف

⭕ أواخر العطلة الصيفية للمدارس الثانوية بالمديرية الشمالية، حوالي أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر 1965م، ترجل شاب في مقتبل العمر، وضاح المحيا، أنيق الملبس، يشع من عينيه بريق يوحي بذكاء وقاد وحب استطلاع لما ينتظره في مدينتي كريمة ومروي وأريافهما.. كانت تلك زيارته الأولى لمنحنى النيل.. حسبه بعض مستقبلي قطار كريمة موظفاً جديداً في المجلس المحلي أو محكمة مروي، فتباروا في الترحيب به وعرض مساعدتهم له.. كان زائر الخير وحامل بشارات البعث العربي الاشتراكي لمناطقنا هو الرفيق الأستاذ بدر الدين مدثر أمين سر قطر السودان وعضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي -يرحمه الله-.. كنا في استقباله مجموعة من قيادة الجبهة العربية الاشتراكية بمدرسة مروي الثانوية: محمد حسن باشا -أفاض المولى العزيز عليه نعيم الصحة والعافية ورده إلينا سالماً غانماً من غربته- والمرحوم عبد العظيم الكلس -جعل المولى الكريم مثواه جنان النعيم- وهاشم العالم وشخصي الضعيف..

⭕ كان ذلك لقاؤنا الأول بالأستاذ بدر الدين وسبقته مخاطبات كثيرة.. كنا في مروي الثانوية قد أسسنا حزباً قومياً باسم المؤتمر القومي العربي حيث كنا وقتها شديدي التأثر بالتجربة الناصرية، ولم تكن حدود معرفتنا بالتجارب والأحزاب السياسية العربية تتجاوز ما نطلع عليه من خلال المجلات والصحف المصرية، وبطبيعة الحال كنا في حالة بحث دائم عن حركة سياسية وطنية تعبر عن آمالنا واختياراتنا.. وفي أواخر 1964م زارنا في مروي أحمد محمد العطا الذي كان في سنوات دراسته الأخيرة بمدرسة الخرطوم التجارية، وهو في مقام عمي لكونه ابن خال والدي، وكان من المنتمين للجبهة العربية الاشتراكية فأقنعنا بالانضمام للجبهة العربية الاشتراكية وأرسل لنا بعض منشوراتها حال عودته للخرطوم ومن ثم أوثق وصلنا بالأستاذ بدر الدين والأستاذ شوقي ملاسي والأستاذ عبد الباسط أحمد يوسف عليهم رحمة الله ورضوانه..

⭕ قضى الأستاذ بدر الدين في ربوع مروي قرابة الأسبوعين مليئين بالنقاشات التي لم تخلُ من الاختلافات بحكم تأثرنا جميعاً بالتجربة الناصرية، غير أنه -رحمة الله عليه- كان ذا بصيرة ثاقبة، قادراً على التقاط كل ما هو مشترك وإيجابي بيننا، وشديد الحرص على تبني ما اعتبره إيجابياً ومتميزاً في تجربتنا، بشكل خاص في وسائلنا التنظيمية والأشكال الإدارية التي ابتدعناها بحكم ظروفنا ومطلوبات عملنا، فلم يفرض علينا تغيير هذه الوسائل والأشكال القيادية رغم أنها لم تكن تتجانس مع الوسائل والتنظيمات الإدارية للاشتراكيين العرب، بل وطلب منا الاحتفاظ باسمنا الذي اخترناه، إلا أننا اعتبرنا ذلك مخالفاً لاقتناعنا بالخط التقدمي العربي العام فلم ننفذ طلبه ولم يعترض هو على اختيارنا..

⭕ بدر الدين كان من طراز القادة الشعبيين دون لجلجة شعبوية تتخلى عن العقيدة والاستراتيجية في سبيل كسب شعبوي عارض.. وكانت له قدرة فائقة على الاستماع دون كلل أو ملل لمن يناقشونه حتى وإن كان حديثهم لا رابط منطقياً يجمع أجزاءه.. بدر الدين كان أيضاً ممن يعرفون أقدار من يلتقيهم نساءً ورجالاً.. خلال أيامه معنا استطاع كسب ثقة أعيان المنطقة بأسلوبه المباشر وباحترامه الكبير لهم، ففتح أمامنا آفاقاً واسعة للعمل مستندين على هذا الاحترام والثقة الكبيرة لأعيان المنطقة لبدر الدين ولنا باعتبارنا تلامذته وأعضاء حزبه.. لم ندخل معركة طلابية أو سياسية إلا ووجدنا سيد أحمد سيد خطاب ومحمد عبد القادر ومحمد عبيد رحمه والحارث منصور يشدون من أزرنا بالغالي والنفيس… وظل هذا النفر الكريم -رحمة الله عليهم أجمعين- دائمي السؤال عن بدر الدين طوال سنوات بعد زيارته تلك..

⭕ في ذكرى رحيله تموج أمام ناظري كل هذه السنوات الطوال من عمر علاقتي الحزبية والشخصية به، وفي بعضها تداخل الشخصي مع العام، فلقد اعتبرته دائماً أخي الأكبر بكل ما يحمله ذلك من معانٍ.. وفي ذكرى رحيل بدر ديننا ودنيانا، أحس بأن بدر الدين ينام الآن مرتاحاً في قبره، فهو قد أعطى وما استبقى شيئاً من عصارة فكره ونضاله الدؤوب الصبور.. في أمان الله بدر الدين.. نم قرير العين، فزرعك الذي زرعت قد مد جذوره عميقة في تراب وطننا من الأحواز وحتى الأطلسي ومن الإسكندرية وحتى نمولي.. ورفيقاتك ورفاقك يسدون عين الشمس رافعين شعاراتك فوق كل شبر من تراب الوطن..

 * نشر في الذكرى الـ 17

#الهدف_الذكرى_20_بدر_الدين_مدثر_مناضل_قائد_البعث_ملف_خاص #صحيفة_الهدف #بدر_الدين_مدثر_2006 #الرفاق_الخالدون #أمة_عربية_واحدة #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.