قلمً: م/ عادل أحمد محمد….
بينما تنشغل الصالونات السياسية في عواصم العالم الفارهة بتنميق عبارات “الهدنة الإنسانية” و”خارطة الطريق”، ويتبادل الجنرالات عبر بياناتهم العسكرية تهم الغدر والخيانة، هناك حقيقة واحدة تسقط من حسابات الجميع: المواطن السوداني، الذي لا يملك ترف الانتظار، ولا خبز يومه، ولا أمان سقف بيته.
جنرالات الوهم: البطولة فوق الأنقاض
على طرفي النزاع، يمارس العسكريون لعبة “عض الأصابع” بجثث المدنيين. بالنسبة لهم، الح.رب هي “حسابات قوة”، والمواطن مجرد رقم في معادلة الضغط. يتحدثون عن “السيادة” وهم يفرطون في أمن الفرد، ويتحدثون عن “الديمقراطية” ببنادق لا تعرف إلا لغة القمع.
لقد تحولت بيوت السودانيين في مخيلتهم إلى ثكنات، وشوارعهم إلى ساحات رماية، وكأن هذا الشعب “عبء” على طموحاتهم العسكرية، وليس هو الأصل الذي يدعون الق.تال لأجله. إن كل هدنة يوقعونها ليست رحمة بشعب يقتات على الصبر، بل هي “استراحة محارب” لترميم الصفوف وتذخير البنادق لجولة دمار جديدة.
سماسرة السياسة: النضال من وراء الحدود
أما النخبة المدنية، فقد سقطت في فخ “الارتزاق السياسي” للأزمات. انقسموا إلى معسكرات تُجيد التنظير في ردهات الفنادق بينما يكتوي المواطن بنار الغلاء والنزوح. طرفٌ يرى في المأساة “فرصة للعودة” إلى كراسي السلطة عبر البوابات الخلفية للمبادرات الدولية، وطرفٌ آخر يتخذ من “شرعية الدولة” درعًا لتصفية حساباته التاريخية وإطالة أمد الصراع. لقد فقدت هذه النخب بوصلتها الأخلاقية حين أصبحت “المبادرة” لديهم أهم من “الإرادة”، وحين صار استجداء الحلول من الخارج أهم من بناء جبهة وطنية حقيقية تنحاز للشارع لا للممول.
العالم “المنافق”: إنسانية بطعم المصالح
ولا يغيب عن المشهد ذلك “المجتمع الدولي” الذي يذرف دموع التماسيح. إن المقترحات الدولية التي تُبشرنا بالهدنة، ليست سوى محاولات لتطويق الحريق لئلا تمتد شراراته إلى مصالحهم. إنهم يبحثون عن “استقرار هش” يضمن أمن بحارهم وحدودهم، حتى لو كان الثمن هو “شرعنة” الق.تلة أو “تقسيم” ما تبقى من تراب الوطن. الإغاثة التي يلوحون بها هي “حقنة تخدير” لجسم يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومحاولة لغسل أيديهم من دماء السودانيين بفتات المساعدات.
صرخة من تحت الركام
الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن هذا المواطن “المكتوي” قد كفر بكل هذه الوجوه. كفر بجنرال يرى في موته “ضرورة عسكرية”، وبسياسي يرى في تشريده “مكسباً تفاوضياً”، وبمنظمات دولية تقتات على صور جوعه.
إن أي اتفاق لا يبدأ بخروج المسلحين –أياً كان لونهم– من حياة الناس، ومن بيوتهم، ومن مستشفياتهم، هو “اتفاق خيانة”. السلام الذي لا يعيد النازح إلى داره عزيزاً مكرماً، دون خوف من فوهة بندقية أو ابتزاز سياسي، هو مجرد “هدنة مؤقتة” في ح.رب طويلة وقودها الإنسان السوداني.
آن الأوان ليتوقف هذا “البازار”. السودان ليس ضيعة للجنرالات، ولا مختبراً للسياسيين؛ إنه وطن لأناس يريدون الحياة فقط.. فهل هذا كثير؟

Leave a Reply