حلم العودة.. رحلة تأصيل الراب السوداني

صحيفة الهدف

آية سماني

في السنوات الماضية، اكتظّت أماكن الحفلات والفن في الخرطوم وأم درمان وبحري بمشهد موسيقي جديد ممتدّ ومستمر، يصاحبه حضور متزايد لموسيقى الراب وفاعليتها داخل الحياة الثقافية في السودان. هذا الفن، الذي واجه عزلة طويلة في بداياته، بات منذ منتصف العقد الأول من الألفية الميلادية جزءاً لا يتجزأ من التجربة الشبابية وتعبيرها عن الواقع الاجتماعي والسياسي.

قبل أن يصبح الراب في السودان ظاهرة عامة، كان هناك قسمان أو طوران أساسان في تطوره:

الأول: راب المنتديات، الذي كان شبيهاً بالراب الخليجي أو الأمريكي وكان يُصدر التراكات فردياً دون تنظيم جماعي.

الثاني: المجموعات الموسيقية التي خطت خطواتً جادة في إقامة حفلات وتنظيم حضور جماهيري، من بينها فرقة نوسلانق وذا سيركل، وأكثرها شهرة فرقة ناس جوطة.

واجه الراب عزلة طويلة وتحديات جمة في المجتمع السوداني، إذ عُدّ مستورداً غريباً على الذوق المحلي في بداياته، وكان مرتبطاً بثقافات خارج إطار الطرب التقليدي، لذلك لم يجذب جمهوراً واسعاً في البداية، كما رافقته موجة رفض اجتماعي واتهامات ثقافية بأنه “ليس من ثوب السودان”.

على مر السنوات، كابد فنانو الراب في السودان من أجل تقديم فن جديد ينبع من البيئة المحلية، يعبّر عن واقع الطبقات المدينية، وقد تراكمت جهودهم ما بين أشكال الأداء الفردي والجماعي حتى بدأ المشهد يتوسع ويتأكد وجوده.

في التسعينيات ظهرت أول محاولة للراب في السودان عبر عمل الفنان يوسف الموصلي بأغنية (حبايبنا) عام 1994، ثم تأسست أول فرقة راب سودانية Born in Black عام 1996 وأصدرت ألبومها History في 2004. في نهاية التسعينيات برزت فرقة (الهيلاهوب) التي طرقت باب الراب في أغنيتها المصورة (قروشي) (1999).

في مطلع الألفينيات أخذ الراب طابعاً أكثر جدية، حيث أصدر نايل عام 2003 تراك (ما دايمة ليك)، سرعان ما سيطرت فرقة (ناس جوطة) على المشهد بوضوح رسائلها وقربها من هموم المجتمع السوداني، وأصدرت عام 2007 تراك (ناس حلتنا) الذي حظي بشعبية واسعة، إذ ساهم في تأصيل الراب السوداني وترجمة النزعات المحلية المرتبطة بالتمرد والإحباطات في ظل الفقر والاستبداد.

الراب والحراك الاجتماعي لعبا دوراً مهماً في فهم حضور هذا الفن، إذ امتدت صلته مع الحراكات الشعبية والثورات، خاصة خلال ثورة ديسمبر 2018، التي مثلت قفزة نوعية للراب في الساحة السودانية. أغاني تراوحت ما بين المطالبة بالعدالة الاجتماعية والسياسية إلى وصف الأحداث بين المعتقلات والمواكب والبطش العسكري، مثل تراكات (سودان بدون كيزان) و(تسقط بس) التي ارتبطت بشعار الثورة نفسها.

بعيداً عن شكله الفني وحده، استطاع الراب السوداني أن يستوعب التجارب والاختلافات الاجتماعية والاثنية المتنوعة في السودان، مما أضفى على مشهد الراب المحلي طابعاً مميزاً ضمن رحلة تأصيله الممتدة لسنوات، وشكّل أرضية موسيقية وثقافية نشِطة رغم التحديات التي واجهتها الساحة الموسيقية في البلاد.

#ملف_الهدف_الثقافي #الراب_السوداني #ثورة_ديسمبر #آية_سماني #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.